في مقاله يوم الاثنين الماضي بجريدة الشروق تحت عنوان “برج بابل”، كتب الأستاذ سلامة أحمد سلامة، رئيس مجلس تحرير نفس الجريدة، منتقدا للحوار الوطني وطريقة إدارته، ثم انتقل إلى الثناء على دور الشباب في المرحلة الحالية.
ولكنه وبصورة غريبة كمن يدس السم في العسل ارتدى عباءة الأب الناصح الذي يعرف أكثر ثم أضاف “نعم، محاكمة رموز الفساد أمر لا ينبغى السكوت عليه. ولكننا لا نستطيع أن نصادر على صلاحيات السلطة القضائية، كما لا يمكن إجراء محاكمات سريعة استثنائية، أو إصدار قرارات تعسفية.. ولابد أن يحرص الثائرون على ألا تعصف الثورة بالعدالة وبسيادة القانون لمجرد الرغبة فى الانتقام!”
ثم عاد وبالغ وتنبأ بشيوع الفوضي في حال نجاح الشباب في تحقيق بعض الأمور التي عددها، فلا يجد القارئ نفسه سوى أنه أمام تلك القائمة التي اندلعت الثورة من أجلها وسالت الدماء، مثل إقالة رؤساء الجامعات والمحافظين وحل المجالس المحلية وفصل قيادات الإعلام، والتي لا يختلف أحد على أنهم بقايا النظام البائد، ومشعلي الثورة المضادة، والتي تعد هي الأخطر إن لم يكن الأستاذ سلامة على وعي بذلك.
إنني أتعجب فعلا من تلك الأقلام الهادئة الخائفة من كل تغيير سواء كان قبل الثورة أو بعدها. أتعجب من دعمهم اللا محدود لسياسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم لمصر بعد الثورة التي لم يصنعها العسكر، بل هذا الشباب “السيس” الذي يهدده سلامة بشيوع الفوضى، ويتهمه ضمنيا بعدم الحكمة، والرغبة في الخروج على سلطة القانون.
إن المجلس العسكري هذا لا يرى في رموز النظام الساقط أي خطيئة سوى انحرافاتهم المالية، حيث استغلوا مناصبهم والسلطات المخولة إليهم من مبارك للتربح وإهدار أموال الشعب، وهي طبعا جريمة كبيرة، ولكننا لا نسمع حديثا للمجلس عن تزوير الانتخابات، والاعتداءات الهمجية الإجرامية على المظاهرات السلمية وقتل الأبرياء، ولا يذكر من قريب أو من بعيد فتح التحقيق في الملف الدسم المتجدد لممارسات التعذيب الممنهجة داخل المؤسسات الأمنية المصرية، ولا حتى لمن ألهمهم الشيطان في صياغة تلك القوانين المقيدة لحريات المواطنين. بل ويتوقع أن يجد هؤلاء بداية من مبارك إلى اصغر لص بالنظام جيوشا من عباقرة المحامين يخرجونهم من تلك القضايا عبر الثغرات القانونية التي وضعوها هم بأنفسهم على مدار ثلاثين عام. فهل مازلت ترى أستاذي أن الشعب الذي ضحى يمكن أن يهدأ وتستقر عاصفة التغيير قبل أن تتوقف تلك المسرحية الهزلية؟
نعم نحن الشباب السيس ثائر شعر الرأس عديم الخبرة كما تتهموننا، ولكننا ننتمي لذلك الجيل الذي فعل ماكنتم دائما تحبطون حدوثه بسلبيتكم المتعالية وأسماءكم الرنانة في عالم الثقافة السياسية الذي احتكرتموه لعقود، ولكننا لا تربطنا بالنظام البائد أي علاقة كما قد تفعلون. نحن دعاة تغيير حقيقي يكتسب شرعيته من الثورة، ولسنا مستكينين لفتات استقرار وهمي يلقى لنا فنفرح به وننام مطمئنين.
أما أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن حولهم من زمرة السياسيين والمثقفين الذين يخشون التغيير ويخالفون منطق التطهير الحتمي الذي يتبع الثورات، فقد عرفوا رموز نظام ما قبل الثورة كأصدقاء وزملاء عمل، بل وربما أصهارا لهم، ومن الطبيعي أن يكون ذلك هو المنطق الذي يجعل من معاقبة أصدقاء الأمس أمرا مؤلما لهم.
أستاذي العزيز، إن من بديهيات السياسة أن تتعامل مع إدراك الشعوب وليس النخبة التي لم تشارك في صنع أي شيئ، بل إنه من الأحرى أن يتم الإسراع في تحقيق مطالب الثورة بسبب تعاظم شرعيتها المستمدة من جماعية الإصرارعليها. فلا يتحصل الحاكم هنا على أي من الشرعية مالم يستجاب للرغبة الجماعية للشعب صانع الثورة. وفي حال تحقق هذا المنطق، حينها فقط يمكننا الحديث عما تسميه أنت بالاستقرار.
وعليه فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي فوض في لحظة ما من قبل الثوار، مطالب بأن يأخذ خطوات فاصلة وحاسمة من أجل كسب ثقة الشارع الثائر. تلك الخطوات التي رهب من حدوثها الأستاذ سلامة، والتي لم يطلب الثوار أبدا أن تكون خارجة عن سلطة القانون والعدالة التي ضحى من أجلها الشهداء. هو فقط التعجيل بها، والذي أصبح ضرورة ملحة من أجل سد فجوة الثقة الآخدة في الاتساع بين المجلس ومن منحه شرعية الحكم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.