في أوائل أحداث العنف التي وجهت من قبل الجيش تجاه المتظاهرين عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، خرج علينا المجلس الأعلى للقوات المسلحة ببيان اعتذاري غاية في الاحترام مفاده أن رصيدهم لدى الشعب المصري يسمح حسبما ذكر البيان. وبالفعل تغاضى الجميع عن تلك السقطات ردا لجميل الوقوف مع الشعب في ثورته.

غير أن نفس هذا الشعب الذى ارتفع وعيه السياسي في أسابيع محدودة، يرى ويلاحظ بكل ضيق الكثير من علامات الاستفهام والأحداث والمواقف المتلاحقة التي تزيد الأمور تعقيدا على تغقيد هو بالتأكيد ليس في صالح الجيش.

فموقف القوات المسلحة الغريب من الانتقائية فيمن تناله أولا عملية التطهير التي يجب أن تتبع أي ثورة، ناهيك عن بطئها الشديد، كلاهما هو المصدر الرئيسي لعملية البلبلة الحادثة حاليا وعدم الاستقرار الناجم عن كثرة التظاهرات (المشروعة) وتآمر قوى فلول النظام البائد على الثورة.

وكانت إحدى الصحف اليومية الحزبية قد نشرت تصريحات منسوبة لأحد رجال الشرطة عن عدم نزولهم لإعادة الأمن للشارع المصري “حتى يعلم الشعب قدر رجال الشرطة ويقبلوا أيديهم”، كما قال السيد المحترم ظابط الشرطة. صحيح أن وزير الداخلية قد أحاله إلى التحقيق، لكن التساؤل هنا يكمن في البحث عن تفسير لعدم اتخاذ المجلس العسكري قرارات تطهيرية واضحة وصارمة بحق هذا الجهاز المتعملق الفساد والأمراض النفسية؟

التطهير لا يقصد به هنا أبدا إطلاق الاعتقالات هنا وهناك وتصفية كل من كان ضد الثورة، على الرغم من أنه جائز في منطق الثورات، ما يقصده هذا المواطن المصري البسيط المتسامح، وبكل احترام للقانون، أن يقدم كل من أجرم في حقه قتلا وتعذيبا وإفسادا، وليس سرقة فقط، للمحاكمة بدون انتقائية أو تحايل على من تأتي رجله قبل من، أو تسليط الضوء على جريمة دون أخرى. بل وبالسرعة الكافية الشافية لهذا لشعب المقهور من أجل تحقيق ما يسمى بالاستقرار، والذي لن يتحقق بدون التطهير الجاد البعيد عن لعبة مسرح الدمى السياسي هذا الذي نشاهده حسرة كل يوم.

لقد ارتضى الشعب وعن قناعة باتخاذ كامل الإجراءات القانونية في سبيل إجراء محاكمات عادلة لمبارك ومجرمي نظامه الفاشي وهم كثر، لكن الغريب وبغض النظر عن أن مبارك وأسرته لم يمثلوا للمحاكمة بعد، أنه كلما سقطت رأسا تحت طائلة التحقيقات وتم استدعاءها، نقرأ في الأخبار أنه “كان” قد تم تقديم عشرات بل وأحيانا مئات البلاغات والمذكرات والتقارير عقب سقوط مبارك، بل وأحيانا قبل ذلك. ألا يكفي بلاغا واحدا أيها السادة من أجل جرجرة تلك الزمرة من سفاكي الدماء إلى المحاكمة؟ أم إن الجرجرة هي دائما فقط من نصيبنا نحن قبل الثورة بل وأحيانا بعدها؟

إن ما حدث في ميدان التحرير الجمعة الماضية من وفاة أحد المتظاهرين وإصابة واحدا وسبعين أخرين، لن تكفي مئات البيانات العسكرية، ولا آلاف كروت الشحن، من أجل رفع رصيد القوات المسلحة ومجلسها الغير واضح الاستراتيجية، في التعامل مع هذا النظام الفاشي البائد وفلوله التي مازالت تعبث بمصير تلك البلد وأمنها، ما لم تتم عملية التطهير المنطقية التي تتبع الثورات وبأقصى سرعة.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.