اقتصاد الظل أو الاقتصاد الغير رسمي هو ما يطلقه الأكاديميون على هذا الجزء الغير مرئي من اقتصاد أي دولة، والمتمثل في أم رضا بائعة الجوافة في سوق المنيرة، أو فتحي الميكانيكي القاطن بعزبة الوالدة بحلوان الذي يرفض أن يسجل ورشته في السجلات الرسمية خوفا من بطش وعبثية النظام الضريبي، أو أحيانا فساد محصل المستحقات المالية الواجبة عليه.
ربما يرى البعض ذلك عل أنه أحد أشكال التخلف، لكن الأيام أثبتت أن ذلك القطاع الذي يمثل 52% من الاقتصاد المصري كان بمثابة الوسادة الاقتصادية التي حمت مصر من صدمة الأزمة الاقتصادية أواخر عام 2008، وأنقذتها كذلك من السقوط الموجع الذي كان من الممكن أن يحدث أثناء فترة الثمانية عشر يوما الأولى قبل تنحي مبارك حيث تعطلت تقريبا شتى مظاهر الحياة الاقتصادية الرسمية، غير أن أحدا لم يشكو من جوع أو نقص مؤلم في وفرة الفول أو الطعمية.
لكن التساؤل هنا، هل يجب أن نستمر على هذا المنوال من الاحتماء بالوسادات مستظلين بعدم قدرتنا على تنظيم الحياة الاقتصادية؟ أعتقد بأن الإجابة لا!
فعلى الرغم من الدين العاطفي المتولد عندنا تجاه تلك الوسادة ووقوفها دائما بجانبنا وقت الشدة، إلا أنها في نفس الوقت تحجب عنا رؤية حوالي نصف الاقتصاد المصري، وتجعلنا دائما غير واعين أو متأكدين مما يحدث بالفعل على أرض الواقع، مهما قدمنا من خطط واستراتيجيات محكمة. فكلما زاد اقتصاد الظل وتضخمت تلك الوسادة الطيبة في دولة ما، كلما زاد انحراف معظم المؤشرات الاقتصادية التي من المفترض أن تلعب دور المرشد لنا في التقدم للأمام، والتي وصلت في حالة نموذجنا المصري لما يشبه مولد السيدة في ليلته الكبيرة، حيث يختلط الحمص بحب العزيز، فتغرف بيدك والسلام وماشي الحال. فلا يوجد أي منطق يقبل بألا يرى صانع القرار الاقتصادي سوى نصف ما يعد لطبخه.
نحن بالفعل نشكر كل الوسادات الاقتصادية التي أنقذتنا ماضيا وحاضرا، لكننا وإن أردنا أن نقف على أقدامنا مثل البالغين الراشدين، علينا أن ننحيها جنبا بعد أن نعمل على إنقاص حجمها شيئا فشيئا إلى أصغر ما تستطيع يدا المنجد الاقتصادي. ربما لم تستطع أي دولة التخلص منها كليا مهما تقدم اقتصادها، حيث مازال عندهم جو السباك الذي يصلح أحيانا حنفية المطبخ ويقبض ثمن خدمته تلك دون إعطاء إيصال رسمي لجيسكا التي لم تهتم بالأمر.
وللضغط على تلك الوسادة للانكماش من أجل الحصول على بعض الضوء الاقتصادي المحجوب، تختلف الوسائل والاستراتيجيات من أجل ذلك مع التركيز على تجنب إلحاق الضرر بتلك الفئة من المجتمع التي ربما انقذت الاقتصاد تارة بعدم سقوطه وأخرى بعدم تمثيلهم عبئا وظيفيا على المجتمع مرتفع نسبة البطالة ومستوى الفقر.
ربما تتمثل إحدى الاستراتيجيات الهامة هنا من أجل تحقيق ذلك في عملية تسجيل الكيانات الاقتصادية الصغيرة والمتناهية الصغر في كيان الدولة، فيما يسمى بشركة الفرد الواحد كما فعل الإيطاليون الذين عانوا من نفس تلك المشكلة منذ عدة عقود. وعلى الدولة هنا أن تشجع تلك الفئة الاقتصادية المتناهية الصغر في التعاون مع هذا الاتجاه، وتوليد نوع من الثقة بينهم وبين النظام الجديد بعد الثورة، مع التأكيد لهم أن تلك العملية ليس الغرض منها وضعهم تحت طائلة جباية الضرائب، بل ربما إضافة لذلك قد يكون على الدولة أن تقدم لهم أحد أشكال الدعم التدريبي، والذي سيكون له من المؤكد مردود إيجابي ليس عليهم وأسرهم فقط، بل وعلى الاقتصاد ككل. بل وسيستطيع صانع القرار بداية أن يرى تلك المساحة المجهولة، وأن ينضج متخلصا من حماية الوسادة له في خطا أسرع وأكثر ثباتا نحو نمو حقيقي ومدروس.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.