دعونا نفترض أن الجيش المصري قد اختار ألا يهاجم متظاهري التحرير في أول ١٨ يوم الثورة وحتى سقوط مبارك، وهو الأمر الذي يعد نظريا تحديا صعبا بكل المقاييس لعدة أسباب، منها ما يكمن في طبيعة العلاقة مع السلطة، حيث كان الجيش والنظام دائما في حالة مواءمة وانسجام تحت قيادة رئيس الدولة بصورة دائمة منذ ثورة يوليو. ومنها ما هو إداري، حيث لم تمتلك القوات المسلحة المصرية من قبل لا الخبرة ولا النية في التورط بتعقيدات إدارة شئون الحياة المدنية.

لقد سجل الجيش مؤخرل بالفعل بعض الأخطاء الإدارية المدنية، إضافة إلا نقص نسبي في الخبرة باللعب بالأوراق السياسية، والتي لم يكن مطلوبا منه أبدا أن يجيدها على أي حال. فمهمة الجيوش في الدول الناضجة أو الساعية إلى ذلك تقتصر على حماية أمن أوطانها بصورة مباشرة وبديهية. ومن هنا لا يستطيع أحد أن ينكر من ناحية أخرى على المجتمع المدني وممثليه الساسيين حق الاعتراض والانتقاد، وخاصة أن الثورة الشعبية قامت من أجل أبسط الحقوق الديمقراطية التي سلبت منا طويلا، وعلى الجيش أن يتفهم ذلك، وأن يوسع من أفقه للتعامل مع هذا الموقف الذي ربما قد يكون معقدا بالنسبة لأصحاب البذات العسكرية.

 لا يوجد عاقل على تلك الأرض يستطيع أن ينكر على من قام بالثورة حق الاعتراض على التباطؤ الملحوظ في محاكمة الرئيس السابق وزمرة الفاسدين المقربين منه، أو أن ينكر عليهم حقهم في الخروج للشارع (الذي يملكونه سياسيا) للتعبير السلمي عن رأيهم في كيفية سريان ثورتهم، والضغط من أجل تحقيق كافة المطالب بدون تحوير أو تعديل أو تأجيل. بل ومن حقهم أن يعودوا إلى بيوتهم سالمين بدون علامات العصي على ظهورهم أو غيرها من الإصابات كما أظهرت العديد الصور ومقاطع الفيديو.

غير أن جموع المطالبين في ذات الوقت عليهم أن يدركوا وأن يعوا وبوضوح الفرق الشاسع بين الضغط المشروع والمواجهة الحمقاء. وعليهم أن يحذروا كل الحذر من السقوط في مؤامرة تدبر بكد وبدقة من فلول النظام البائد فيما بات يعرف بقوى الثورة المضادة، كما تستمر التحليلات والمشاهدات لأحداث فجر السبت في إثبات تورط الحزب الوطني ورجال أعماله وبلطجيتهم.

فنجاح تلك القوى الفاسدة في تحقيق تلك الوقيعة بين الشعب صانع الثورة والجيش، والدخول في تلك المواجهة العبثية، ما هو إلا انتحار سياسي يسقط كليهما أرضا، لتعتلي جثتيهما قوى الثورة المضادة.

نعم أخطأ الجيش في رؤياه لبعض الأمور، وتعدى بعض الخطوط الحمراء في الحقوق المدنية، لكن من قال أن جنودنا ملائكة نزلت من السماء لحماية قوى الحق المطلقة، فما هم إلا بشر يصيبون ويخطئون، لكن عليهم الإسراع في تصويب المعوج وقطع الطريق على بقايا النظام الساقط، رأسه وحراسه، بالتعجيل بمحاكماتهم وإدراجهم تحت طائلة الدستور والقانون كباقي المواطنين بأسرع وقت، وفي إطار جدول زمني محدد، وكذلك الاستمرار في كفالة حق التظاهر السلمي للشعب إلى أن تتحقق مطالب الثورة مجتمعة وبدقة.   

هذا المقال نشر أولا بجريدة البورصة.