الآن فقط وبعد أن استطاعت دولة القانون التي حلمت بها حشود الثورة المصرية واستشهد من أجل الوصول إليها المئات وأصيب الآلاف، نستطيع أن نبدأ الحديث عن الاستقرار. لقد كانت بالفعل حربا كلامية وفكرية طاحنة بين الداعين للاستقرار من تلك الزاوية الضيقة فور تنحي مبارك، وأولئك الذين رأوا أن ما سمي بالاستقرار حينها ماهو إلى خوف من التغيير الحقيقي الجريئ، الذي يهدف إلى عملية اغتسال شرعية من جنابة النظام السابق، والتي لم يكن ليجوز لنا بدونه أن نبني عليه قصرا من وهم وأن نأمل في أن غدا قد يكون حقا أفضل من الأمس.

الآن فقط وبعد أن سقط مبارك وأبناءه وحرسه القديم، لصوصا كانو أوسفاحين، تحت طائلة شرعية المحاسبة والقضاء المدني، نستطيع أن نقول أن بناء تلك الدولة المدنية أصبح أمرا واردا. نعم طالب الكثير أن تطال تلك الرؤوس ما يعرف بمحاكم الثورة، أو المحاكم العسكرية، كما كانو يفعلون سابقا بالمدنيين. غير أن ما حدث وعلى الرغم من عدم اكتماله بعد أو مقارنته ببشاعة الجرم، ما هو إلا انتصارا جليا وواضحا لحلم العدالة المبنية على مبادئ حقوق الإنسان على تلك الأرض التي حرمت مواطنيها طويلا من العيش تحت هذا السقف المشروع.

نعم لم تكتمل مطالب الثورة عن آخرها بعد، لكنه يبدو أن من يملك القرار السياسي الآن سواء أكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة أو حكومة عصام شرف، أو كلاهما معا، أدركوا جميعا وبعد بعض الأخطاء السياسية التي تم تداركها أنه لا سبيل عن إتمام نجاح الثورة لدرء المؤامرات المستمرة.

الآن، ربما بحذر، نستطيع أن نقول لمن كان يصرخ مولولا ومطالبا بالاستقرار أنه من الممكن أن نشاركك الرأي. فالآن علينا أن نسير بهذين الخطين المتوازيين بين السياسة والاقتصاد. فبعد ثبوت قواعد دولة القانون ومدنيتها، زال الخطر الأكبر والخوف من إحلال نظام فاشي بآخر لا يعدو كونه مسخا ديمقراطيا يلبث ثوب الثورة ويطلق شعارات الدعم الزائفة.

علينا الآن وفي انتظار تحقق باقي المطالب أن نبدأ في فتح الملفات الاقتصادية الاستراتيجية، والعمل على عودة الاتزان إلى الأسواق، ليس على طريقة النظام السابق الوهمية زائفة الأرقام، ولكن بصورة حقيقية تعبر عن واقع يؤسس قواعده على أرض صلبة في فناء المتطلبات الاجتماعية الملحة بالتوازن مع العمل الجاد على عودة النمو الاقتصادي.

غير أن الرغبة في عودة هذا النمو يجب أن تلتزم وبصرامة بالاقتران بتحول عادل باتجاه توسيع مظلة عوائده كي تشمل باقي طبقات المجتمع التي حرمت منه، في ظل شيزوفرينيا العبقريات الاقتصادية السابقة التي احترفت تزييف الحقائق والتباهي بوهم النمو الذي بدا وكأنهم صدقوه، والذي أيدته عبثا معظم دول العالم ومنظماته الفاسدة. الآن فقط يجوز ل “حزب العجلة” أن يعاود الحديث عن الاستقرار، وأن يتوقف عن العويل.

هذا المقال نشر سابقا بجريدة البورصة.