منذ بداية الثورة والحديث عن الملف الاقتصادي مستمر وبصور مختلفة، بداية من محاربة الثورة بتلك الورقة، وانتهاء بالحديث عن الأزمة المالية الموشكة على الوقوع والتركيز عليها، خاصة وبعد أن تحققت معظم مطالب الثورة، والآن فقط هو الوقت المناسب لتناول تلك القضية الحرجة.
بالفعل هناك مؤشرات خطيرة وحرجة، ولكنها ليست بالمرعبة كما يحاول أن يصورها البعض، في حالة من عدم الوعي الواضح لمنطق الثورات، وأولويات المكاسب الوطنية التي تعقبها. نعم هناك حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي التي يجب التعامل معه بسرعة وفورية بغية الإنقاذ. وحالة أخرى يجب التأني في تناولها أملا في ترسيخ مبادئ اقتصادية جديدة وعادلة تعم على الجميع مستثمرين ومواطنين بثمار التغيير، والتي غابت بديهياتها عن المطبخ الاقتصادي السابق الذي احترف تقديم أفسد الوجبات السريعة وأكثرها ضررا.
هناك مشاكل يجب التعامل معها وبأقصى سرعة تتمثل في عدد من القطاعات الاقتصادية الهامة، أو غير الاقتصادية المؤثرة فيها. فعلى سبيل المثال نجد أن قطاع السياحة يقال عنه أنه يخسر 40 مليون دولار يوميا. وحركة نقل البضائع للأسواق الداخلية والخارجية التي تأثرت بشدة نتيجة تباطؤ عودة الشرطة لأداء مهامها المفروضة عليها إضافة إلى حظر التجوال ليلا على الطرق. كذلك انخفاض مستوى الاحتياطى من العملات الأجنبية، وتوقع استمرار ارتفاع العجز في الموازنة إلى مستويات قياسية.
وهنا يجب الإشارة وبوضوح إلى أن التعامل مع تلك القضايا الحرجة وبسرعة وذكاء، لا ينبغي أن يؤثر أو أن يشوش على تلك العملية الموازية الساعية لإعادة هيكلة الاقتصاد وأركانه الغير عادلة لا للمستثمرين ولا للمواطنين، والتي لم تسمح في الماضي سوى باستفادة مجموعة الحرس الجديد من رجالات جمال مبارك ومن حولهم.
هو وضع صعب نعم، لكنه قابل للحل مع مزيد من الجهد والتركيز والتفاوض، إضافة للفصل الواضح بين ما قد يعد حزمة إنقاذ فورية للوضع الراهن، والتأسيس لمرحلة جديدة قامت الثورة من أجلها.
فعلى المجموعة الاقتصادية الجديدة في حكومة عصام شرف أن تفطن إلى كروت اللعب الاقتصادية المطلوبة فورا، ومنها إعادة التفاوض مع المنظمات الدولية الكبرى، كالبنك الدولي وصندوق النقد، والمفوضية الأوروبية، وبنك الاستثمار الأوروبي جميعهم، على طاولة مفاوضات جديدة تبدأ تارة بطرح رؤى جديدة شفافة وعادلة، وخاصة بعد إبداء جميعهم الرغبة في التعاون مع مصر بعد الثورة. وتارة أخرى ربما يلجأ إليها المفاوض المصري تهديدا بفضح الممارسات السابقة لتلك المنظمات الدولية وصفقاتها الفاسدة مع نظام مبارك. والأدلة المدينة لهم ليست سرا على أحد.
فتعاون تلك المنظمات ربما يعد أحد أسرع الحلول لسد تلك الفجوات الاقتصادية التي سببتها الثورة، في حزمة تجمع بين الإعفاءات والمساعدات غير المشروطة سياسيا، كما كان يحدث دائما بالسابق. ويتوقع أن ترضخ تلك المنظمات لتلك الطلبات نتيجة لانتشار رائحتها العفنة دوليا، ورغبتها المستميتة في تحسين الصورة.
أما الرافد الثاني لحزمة الإنقاذ تلك، ربما يكون من خلال التعجيل بمراحل عودة الأصول والأموال السائلة المنهوبة، عبر التركيز على وضع كافة الطاقات المطلوبة تحت إمرة القضاء المدني من أجل التعجيل باتخاذ أحكام عاجلة بشرط ألا تخلو من الدقة وعدالة التطبيق.
وهو أمر يعد مفيدا من ناحيتين، أولا على المستوى الداخلي، حيث سيتم إعادة ماهو مازال موجودا داخل البلاد من منهوبات يسهل إدخالها فور تأكيد الأحكام إلى خزانة الدولة لسد العجوزات المالية. وثانيا على المستوى الدولي، حيث أن عددا من الدول التي تعد قبلة للمنهوبات المصرية كسويسرا وكندا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا، اعلنت جميعا التعاون في هذا الصدد، غير أن هذا التعاون لن يتحقق بدون أحكام قضاء مدنية ودقيقة، مرة أخري يجب أن تكون سريعة في نفس الوقت، حيث أن تجميد أرصدة الفاسدين في تلك الدول غالبا لا يتعدى عاما واحدا إنتظارا لصدور أحكاما نهائية من انظمة الدول المنهوبة.
وعملا بتلك الورقات الاقتصادية الثلاث (المنظمات الدولية – الثروات المنهوبة في الداخل – الأرصدة الفاسدة بالخارج)، يعتقد أن تلك الأزمة الضاغطة على حكومة شرف ستجد طريقا للانفراج مفسحة للمهندسين الاقتصاديين الجدد المجال للتركيز على إعادة ترتيب أو ربما هدم وبناء ما كان معوجا من قبل، في إطار من الشفافية والعدالة الاقتصادية لكل من المستثمر والمواطن البسيط في ظل آليات سوق حقيقية وفاعلة.
نشر أولا بجريدة البورصة