على تقاطع شارعين رئيسيين بوسط البلد بالقاهرة الأسبوع الماضي، وفي يوم ازدحام مروري معتاد في ساعة الذروة، وقف أمينان لشرطة المرور فيما يبدو أنه تلك الوظيفة البديهية التي يفترض أن ينتج عنها أحد أشكال السريان المروري للسيارات العابرة.
أحد الأمينين يبدو أنه آثر الاستكانة واللامبالاة واكتفي بتشغيل جهاز اتصاله اللاسلكي مستمعا إلا مكالمات زملائه التى لم يكن هو طرفا فيها كعادة معظم رجال الشرطة، والتي يبدو أنها لا تعد مخالفة على أي حال في تقاليدهم المهنية. أما الأمين الآخر فقد حاول وبجهد كان ملحوظا أن يسيطر على مرور السيارات بسلاسة وانتظام عبر هذا التقاطع الهام والمزدحم دائما.
أغلقت الإشارة أمام السيارات المارة عبرأحد الشارعين، للسماح بديهيا للسيارات المتقاطعة بالمرور. غير أن سائقا شابا لسيارة النقل تلك التي يطلق عليها “التمن”، قرر بتحد وفخر أن يتجاوز الخط المروري المرسوم على الأرض ويقف بسيارته تقريبا قبل قلب التقاطع بقليل وملاصقا لأمين الشرطة راسما ابتسامة مستهينة على وجههة ومحدقا بوجهه صوبه لاستفزازه.
طلب الأمين بتأدب من الشاب أن يعود خلف الخط، فرفض الشاب مستهترا ومتحديا للأمين، فجرت بينهم مشادة كلامية قصيرة، صمت الأمين في معظمها، ظهرت على وجهه أثناءها علامات الغضب الشديد والخوف في نفس الوقت. ويبدو أن ذلك التحدي لم يكن الأول الذي واجهه منذ أن استجمعت الشرطة جرأتها للعودة للشارع بعد الثورة، الأمر الذي أخرجه عن شعوره بصورة هستيرية حيث لم يعد يحتمل هذا الضغط النفسي، فظل يصرخ بصوت عال وغاضب مكررا: يلا عدي… كله يعدى. مش هي دي الحرية اللي انتو عايزينها؟ مشيرا بيديه للسيارات بكلا الاتجاهين، الأمر الذي أحدث فوضى عارمة أوقفت حركة المرور تماما. غير أن الطريف في الموضوع أن زميله ظل ساكنا كما هو متنصتا على مكالمات الآخرين من أفراد الشرطة.
وهنا ذكرني هذا المشهد السيريالي بإحدى المحاضرات عن أولويات الإنفاق في ميزانيات الدول، عندما وجه إلينا أستاذ الاقتصاد رودريجو سيدا سؤالا قائلا: أيهما أولى بالإنفاق، قطاع الصحة أم الأمن؟ فأجبنا إجماعا: الصحة طبعا! فاتهمنا جميعا مازحا بالسذاجة الاقتصادية. وشرح بمثال تخيلي لدولة قرر قادتها دعم القطاع الصحي على حساب الأمني، فازدادت معدلات حوادث الطرق وسرقة سيارات الإسعاف، فلم يستطع المرضى الوصول للمستشفيات من الأساس، فارتفعت نسبة الوفيات على الرغم من أن الهدف كان العكس تماما.
وللربط بين قصتي أمين الشرطة وأستاذ الاقتصاد، نجد أنفسنا أمام حاجة ماسة لمواجهة تلك الأزمة الخطيرة بين الأمن الذي قامت الثورة ضد بطشه والشعب الذي انتصر ومازال منتشيا. ذلك إضافة إلى بعض التفاصيل الأخرى المتمثلة في عدة علل تسيطر على الكثير من رجال الشرطة تتنوع بين الخوف والسلبية إنتهاء بالتشفي والترحم على أيام السيطرة الخوالي.
صحيح أن ميزانية جهاز الشرطة في عهد مبارك كانت خيالية التعملق الأبله المبني على التخويف من كل شيئ وفرض السيطرة المرضي، إلا أنها لم تكن تنفق على تحسين أوضاع العاملين بهذا الجهاز الهام والضروري، أو تدريبهم أو توعيتهم بالقوانين وأبسط حقوق الإنسان، فتحولوا برواتبهم الصغيرة إلى مرتشين ومرضى سلطة.
ومن هنا على الجميع أن يعي أن الإبطاء في حل تلك الأزمة وإصلاح جهاز الشرطة ماليا وإداريا ورقابيا وكذلك نفسيا، سيكون له عواقب كارثية ومتنوعة، بين أمنية واقتصادية واجتماعية. فالثورة انتصرت بالفعل على رجال الشرطة، لكن هدفها لم يكن أبدا هزيمة الأمن، ومن يعتقد ذلك فقد أسقط نفسه في بئر من الجهل والتخلف.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.