الفساد هو أحد السمات الرئيسية للنظام الاقتصادي المصري، وأحد أهم الدوافع التي قامت من أجلها ثورة الخامس والعشرين من يناير. والعمل على محاربته والقضاء عليه ما هو إلا سعي لتحقيق أحد أهداف الثورة الرئيسية.

وفي هذا السياق أعلن سمير رضوان، وزير المالية الذي لم يختره شباب الثورة لكنهم لم يعترضوا عليه لنزاهة سيرته الذاتية، أن الحكومة بدأت في وضع مسودة مشروع بقانون حول تعارض المصالح، تحت مسمى حماية الأموال العامة ومكافحة الفساد، وذلك تمهيدا لعرضه على مجلس الوزراء خلال المرحلة المقبلة. وأنه قد تم طرح فكرة يتم دراستها حاليا لخلق كيان واحد يضم عددا من الهيئات الرقابية تحت مظلة واحدة، وأنه لن يضار أي مستثمر جاد، ولكن سيحاسب أي مسؤول تسبب في فساد. الأمر الذي يعد خطوة رئيسية وهامة من أجل التعجيل وتوسيع الخطى باتجاه تنمية حقيقية لا تتسرب عوائدها من بين شقوق النظام إلى بئر الفساد المتعمق في أصول الدولة المصرية.

وهنا يجب علينا النظر حولنا والتعلم من بعض التجارب السابقة لمحاربة هذا المرض. ليس بالضرورة أن نقرر استيراد الحلول، ولكن على الأقل الوصول لعملية علاجية محلية تستمد نضجها من محاولات المجتمعات النامية الأخرى التي بدأت بعدنا، وسبقتنا بكثير على مسار التنمية الحقيقية.

فكوريا الجنوبية على سبيل المثال، والتي كان ينظر إليها مع مصر جنبا إلى جنب كنموذجين اقتصاديين واعدين في الخمسينات وبداية الستينات، نجحت بالفعل في تحقيق التوقعات بمستقبلها. أما مصر فمعروف ما آلت إليه أحوالها، ولا داعي لتكرار العويل والبكاء على اللبن المسكوب.

فقد جاء إلى سدة الحكم في كوريا عام 1963الرئيس بارك شانج هي، الذي أخذ على عاتقه النهوض الطموح والعاجل باقتصاد بلاده، وقد نجح بالفعل. ربما يختلف الكثير على سلوكه السياسي ونظام حكمه، لكن دعونا نركز على نقطة وحيدة تتمحور حول رؤيته في محاربة الفساد.

وكوريا ما قبل بارك كانت تعرف بين أفراد شعبها وكثير من دول العالم بتوغل الفساد وضعف النزاهة في شتى نواحي الحياة وكذلك قطاعات الدولة المختلفة، من رؤوس نظامها وحتى أصغر موظفي الحكومة، بل وكانت سلوكيات الأفراد في الشارع تدعو للخزي في حالة تثير القلق وتقف حائلا أمام تحقيق التنمية المنشودة.

وفي محاربة لهذا الواقع والتحدي، لجأ بارك إلى خطة متعددة ومتوازية المحاور، تتعامل مع الحقوق، وثقافة المجتمع، في ظل رادع تشريعي صارم.

قفد عمل مع حكومته وبسرعة، أولا على تأمين حق المواطن في دخل مناسب يكفيه كدافع أولي لعدم اللجوء للرشوة أو ما شابه من الممارسات الفاسدة. أما ثانيا، فقد أطلق حملة إعلامية واسعة وصلت لكل شرائح المجتمع تتمحور حول زرع كراهية الفساد وبذاءته لدى المواطنين، وكذلك تنمية روح الفخر والكرامة كمواطن كوري نزيه، يستطيع أن يرفع رأسه مفتخرا بتلك الفضيلة.

وفي المحور الثالث لحملة بارك ضد الفساد، عمل على سن قوانين وتشريعات تجرم تعاطي الرشوة والاختلاس وتعيين الأقارب واستغلال النفوذ والعلاقات. نعم كانت القوانين قاسية وصارمة، لكنها راعت عن عمد تدرجها بين صغار الموظفين تصاعديا حتى تكون في قمة قسوتها ضد الكبار. وقد أنشأ جهازا خاصا من أجل هذا الغرض. بل وذهب بارك إلى أبعد من ذلك، حيث أمر بإذلال كل وزير يثبت تورطه أمام المجتمع عن طريق فضحه إعلاميا والتأكد من جعله من المنبوذين. الأمر الذي كان يدفع عددا من المسؤولين إلى الانتحار. ربما بداية خوفا من الفضائح، أما لاحقا وبعد عدة سنوات، فقد كان إحساسا بالذنب والخزي من المجتمع الذي تحول فكريا قبل قانونيا من أشد كارهي الفساد والمفسدين.

وبالفعل انحسرت ظاهرة الفساد بسرعة قياسية، وأصبحت كوريا الجنوبية ما هي عليه الآن، ومازالت مصر أيضا ماهي عليه الآن. فهل نتوقع من الدكتور رضوان أن يخرج علينا برؤية شمولية لمحاربة الفساد، ليست بالضرورة كورية الصبغة، لكن على الأقل متعددة المحاور بين الحق في الكفاف ، وزرع ثقافة النزاهة، وموازاة كل ذلك بصرامة التشريع؟

نشر بجريدة البورصة