في جدلية هزلية وعجيبة تتناظر تلك الآونة فرق وشخصيات قضائية رئيسية في الدولية حول ما يسمى بالقانون 17 لسنة 2007، الذي حرم القضاة من تعيين أبنائهم في السلك القضائي ورفع تقدير قبول خريجي الحقوق في هذه الوظائف إلى جيد.

وقد هاجم المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة هذا القانون بشدة داعيا إلى إلغائه قائلا “إحنا ناس منضبطين ومحدش يحاول يتكلم فى حقنا لأنه لن يصل إلى مكانتنا حتى يوم القيامة، فأنا أطالب بتصحيح، كما طالبت ثورة يناير، فالثورة قامت لرفع المظالم ونحن نسعى لرفع المظالم، فهذا القانون جاء انتقاما من النظام السابق ضد نادى القضاة الذى عارض التوريث”.

ثم عاد و شدد على أن مطالبه لا تعد انتقاصا من عدالة الاختيار في التعيينات بين إبن الوزير أو الغفير، فاتحا النار على منظمات المجتمع المدني المهتمة بشؤون استقلال القضاء، متهما إياها بعدم الاختصاص “لأنهم ليسو قضاة”، مضيفا أشهر التهم الحالية على مسرح السياسة المصرية بتبنيهم لأجندات أجنبية.

أما المستشار أحمد مكي، نائب رئيس محكمة النقض وعضو مجلس القضاء الأعلى، فقد أبدى برأيه في قضية تعيينات أعضاء النيابة العامة الجدد قائلا إنه من المفترض أن نختار للوظيفة أفضل العناصر بصرف النظر عن أهلها وأبنائهم أو أقاربهم. بارك الله فيك!

غير أنه عاد وأكد أنه مع كل إجراء يستهدف رعاية القاضى فى ابنه وإن كان ذلك لا يعنى بالضرورة تعيين هذا الابن فى القضاء أو النيابة إذا لم يكن يستحق ذلك، ولكن طالما أن الدولة تحتكر عمل القاضى ووقته وتفرض عليه ألا تكون له علاقات مع الشخصيات العامة فى المجتمع أو غيره حتى لا يتأثر عمله ، فيجب أن توفر الدولة وظائف لأبناء القضاة لأن القضاة لن يستطيعوا التحصل على وظائف لأبنائهم كما هو متاح للتاجر أو الحرفى أو رئيس البنك وما إلى ذلك. مضيفا أنه مع أى إجراء يستهدف رعاية أبناء القضاة وليس ضده “فليس من المنطقى أن نطلب من القاضى تعيين ابنه فى بنك ونحن لا نسمح له بعمل علاقة مع رئيس البنك”.

وفي نظرة لمنطق التناظر هنا تاييدا ومعارضة للقانون، بين القضاة وبعضهم من زاوية، وبين القضاة والمنظمات المراقبة لاستقلاله من زاوية أخرى، نلحظ نوعا غريبا من الكوميديا العبثية، التي ربما نتوقف عن الدخول في تفاصيل معركتها الدائرة إعلاميا تلك الأيام. فنجد أنفسنا ننظر إلى تلك “المعضلة” من زاوية ثالثة تختلف تماما، زاوية رصيف بمنظور هندسي من أسفل إلى أعلى.

فلنتخيل أن إحد بائعي الطماطم قد وفقه الله في تعليم ابنه إلى أن تخرج من الجامعة. ليس بالضرورة من كلية الحقوق، لكن من أي كلية كانت. ليس بالضرورة أيضا أن يكون باحثا عن وظيفة “حساسة” في الحكومة، بل أي ما كان يتناسب مع مؤهله ومع منطق الكفاءة كما تدعونا الفطرة أن نعتقد. بالطبع يستطيع هذا الابن أن يقرأ ويكتب، فهو خريج جامعي، بل ويستطيع أيضا أن يتابع الأخبار على صفحات الجرائد، فمثله من البشر أيضا يهتم بما يحدث من حوله.

يشتري الإبن الجريدة، يتابع المعركة من زاوية الرصيف، يتساءل بمرارة، لماذا كافح أبي وأصر على تعليمي؟ لماذا لم يورثني عمل ما في سوق الخضار بحقه في امتياز توريث موقعه على الرصيف لي؟

يتجه الابن فورا للسوق بجوار أبيه، حاملا شهادته الجامعية ونفس الجريدة في يده، محتلا بقعة ملاصقة له على الرصيف، مفترشا تلك الورقات عديمة القيمة، بانيا فوقها هرما من الطماطم الطازة في حب مصر، مناديا بأعلى صوته “حمرا يا قوطة”.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.