تمر أمراض على الجسد تختلف في شدتها وطرق علاجها، ولا تختلف في مبدأ حتمية علاجها. فالانتظار والتأجيل غالبا ما يؤدي إلى تفاقم الحالة وتعاظم الأعراض المؤذية، في حين أن الدواء ليس بالضرورة أن يكون بطعم الفراولة كشراب علاج كحة الأطفال. فالمرارة كثيرا ما تكون إجبارية لايمكن تجنبها من أجل الشفاء.

وهكذا الحال مع علاج مشكلة الحد الأدنى للأجور، والذي كان دائما أحد أهم الأمراض الاقتصادية والاجتماعية التي أرهقت المصريين عقلا وبدنا، والذي تم تأجيل علاجه قمعا في ظل حكم النظام السابق، وسياسة تكميم أفواه المرضى. أما الآن، وقد انطلقت الحناجر بأعلى صوتها طلبا لهذا الدواء الحتمي، فلا يتوقع أن تصمت تلك الأفواه ثانية، أو أن تتجرع بضع حبات “ريفو” كمسكن وهمي.

والجدلية الدائرة حول تلك القضية الهامة، تتصارع فيها أطراف عدة، بين معسكر الحقوق العمالية والاجتماعية المدافع عن الحد الأدنى للكرامة الإنسانية وكفاف المواطن (حق مشروع)، ومعسكر اقتصادي في حالة استنفار لإيجاد حل يرجى منه أن يكون الأقل ضررا على الدولة (خوف مشروع).

وبين الحق المشروع والخوف المشروع تمر الأيام ويزداد المرض تغلغلا في جسد المجتمع الثائر، بصورة تدعو للقلق من المريض الذي ربما يفقد عقله من شدة الألم بعد تخطيه حاجز الخوف الماضي، في عرض قد تكون توابعه أخطر من المرض نفسه. الأمر الذي يوجب على حكومة عصام شرف أن تدرك أنه لا مفر من تجرع هذا الدواء مهما كان الثمن. فالنتيجة على رغم مرحلة الاستشفاء الصعبة، ستكون ذات مردود سياسي كبير في اتجاه الاستقرار المجتمعي والاقتصادي المباشر والسريع، وذات مردود أساسي وهام على المدى الطويل، نحو تصحيح المسار الاقتصادي من وهم الأرقام والنمو المزيف إلى عالم الحقائق الاقتصادية الواقعي في معادلات الإنتاج والدخول والاستهلاك، رغم كل التخوفات التي لا يمكن إنكارها، والتي تبدأ بزيادة الأسعار والتضخم.

وهنا، ومن حتمية المرور بهذا الطريق الصعب، على الدولة أن تراعي عدة محاور لصياغة استراتيجية التعامل مع هذه الأزمة، وذلك من أجل الوصول للحد الأدنى من السلبيات قدر المستطاع.

وبغض النظر إن كان الحد الأدنى للأجور هو فعلا 1200 جنيه شهريا للعامل أو أكثر أو حتى أقل، فالحساب الدقيق والعلمي لهذه القيمة هو ضرورة أساسية من أجل تجنب موجة أخرى من عدم الاستقرار الاقتصادي، إن لم يكن رقم دقيقا، فنضطر إلى التعامل مع المرض من جديد.

وقبل الإعلان عن تبني تلك السياسة الحقيقية والمشروعة للحد الأدنى للأجور، على الحكومة أيضا الربط بين ثلاثة جهات، لخلق نوع من التوازن بين سوق العمل والإنتاج والاستهلاك، للحد من، أو بالأحرى منع، أي محاولة للتلاعب أو استغلال الظروف، فنعود مضطرين إلى المربع صفر، والذي سيكون اسوأ من سابقه حيث قد تكون أسعار السلع مرتفعة بدون زيادة حقيقية للدخول.

والجهة الأولى بالطبع هنا يجب أن تكون اتحاد عمالي فاعل وحقيقي، ليس كالاتحاد العام لنقابات عمال مصر المثير للجدل في شرعيته من الأساس، وربما يكون الاتحاد المصري للنقابات المستقلة بديلا ولو مؤقت عنه. ومن هنا ستكون جهة الطلب شرعية ومستقلة في تمثيل حق العمال فيما يريدون من مطالب.

والجهة الثانية في المقابل يجب أن تتمثل في اتحاد عام وفاعل لأصحاب العمل كمستثمرين أو منتجين، ربما يكون الاتحاد العام للغرف التجارية، في حالة تشبه الموازنة بين العرض والطلب في سوق العمل بين المنتج ومقدم خدمة الإنتاج، وهو العامل هنا. غير أنه بالطبع، وفي ظل ما يسمى بآليات السوق الحر، الخالي من الملائكة، سيعمل المنتج دائما على رفع السعر السوقي لمنتجه تعويضا لزيادة رواتب العاملين، تحميلا للتكلفة الزائدة على المستهلك، وهو نفسه العامل الذى ارتفع دخله توا، فنعود لنفس المشكلة إضافة إلى درجة أعلى من التضخم.

وهنا يتوجب وجود جهة ثالثة تتمثل في هيئة لحماية المستهلك، تعمل كرقيب على الأسعار وتحركاتها التصاعدية، كخط رادع أمام أي زيادة غير منطقية للأسعار من قبل المنتجين المبالغين في ردة الفعل. وذلك بالتوازي مع وضع سلة منتجات استهلاكية أساسية وحقيقية يقاس عليها القدرة الشرائية للحد الأدنى للأجور، والتعامل معها دوريا بالتعديل والتغيير بناء على توازنات العرض والطلب، من أجل تحديد نسبة الزيادة السنوية للأجور طبقا للأسعار السوقية.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.