في مشهد لا يختلف كثيرا عن أحداث فيلم فوزية البرجوازية، نجد أنفسنا أمام حالة من اللغط السياسي المتولد عن صراع أيديولوجي لا يفهمه الكثير. ليس فقط البسطاء المتلقين لتلك الجرعات العالية من المصطلحات المعقدة والأفكار المستوردة، بل تمتد المأساة إلى أصحاب تلك الأصوات المنادية بهذا الفكر أو ذاك، في معركة كلامية إعلامية لا يدعي كاتب هذا المقال أنه أحد الفاهمين لطلاسمها.

“طفيلي متسلق متعفن” و “برجوازية ملعونة”. كلها مصطلحات وردت في الفيلم العبقري الساخر، ولا تختلف كثيرا عن اتهام الاسلاميين بأنهم “قوى ظلامية”، واتهام الليبراليين بأنهم “قوى الإلحاد”.

يتوقف المرء كثيرا أمام هذا الصراع الإعلامي والتراشق الدائم بالمصطلحات المعقدة المتعالية، وحالة الحرب الكلامية البعيدة عن أرض الواقع الفاعل والباحث عن خطوة للأمام، وخاصة مع دنو موعد الانتخابات البرلمانية التي ستحدد مصير تلك الأمة التي ثارت وضحت بالدماء، بعيدا عن تلك المفاهيم المعقدة (على الأقل حاليا)، فقط من أجل مطالب بديهية تتلخص في العدالة والكرامة والحرية ولقمة العيش.

يتوقف المرء ويتساءل أسفا كيف لأمة تم تجهيلها وتهميشها وإفقارها عمدا على مدار ستة عقود أن تهضم تلك الوجبة الغير متجانسة من الأفكار المتصارعة، وأن تختار ما فيه الصالح العام فقط في بضعة شهور عبر صناديق الاقتراع، حيث أصبح لصوتهم أخيرا قيمة مصيرية.

وفي مشهد مواز نجد تلك الحركة العمالية الصاعدة وميلاد العديد من النقابات المستقلة لفئات واسعة حرمت من الحقوق المهنية البسيطة كحد أدنى للأجور، وعدالة توزيع الدخول، ومظلة حقيقية للتأمين الصحي والمعاشات، إضافة إلى الحرمان كذلك من انتخابات نقابية حقيقية نزيهة وشفافة بعيدة عن سيطرة الحكومة الفاسدة التي اعتادت أن تأتي بما يسمى الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، والذي لم يخدم سوى بقاء نظام مبارك.

وهنا نرى أن مطالب هؤلاء العمال بشتى فئاتهم، بدء من سائقي النقل العام، وانتهاء بمجموعة أطباء بلا حقوق، ماهي إلا تجسيد لمطالب اجتماعية وحقوقية واضحة بعيدة عن السفسطة الكلامية المعقدة وحرب البرامج التليفزيونية وأعمدة الكتاب. فالمفترض نظريا ان كل من هو بالغ وراشد وصحيح البدن أن يكون عاملا، بمعنى أن يكون ممثلا في نقابة، حتى العاطلين منهم، بمعنى أيضا أن تكون تلك المطالب السابقة هي في صميم ما قامت من أجله الثورة.

ألا يعد ذلك خطا منهجيا واضحا يسهل على الجميع فهمة في صورة منظمة ومنطقية تضمن مشاركة الجميع في صياغة مستقبل تلك الأمة على الأقل على المدى القصير والمتوسط إلى أن يأتي اليوم الذي تغير فيه فوزية البرجوازية من لغتها، أو أن يستطيع المواطن العادي أن يقف في وجهها ويتهمها مثلا “بالبصاق الفكري”.

ربما علينا فعلا وبسرعة أن نركز على ما نمتلكه من أدوات سياسية فاعلة، كالعمل النقابي والتمثيل السياسي الحقيقي للعمال أصحاب المتطلبات الحقيقية والمفهومة بعيدا عن لغط اقطاب الأفكار المتصارعة في برجها العاجي. وعلينا أيضا أن نسلط الضوء على المشاكل التي تواجه تلك الحركات العمالية المليونية التي لا يجب أن يستهان بتأثيرها المباشر على نضج المجتمع السياسي بصورة متدرجة وسريعة، وذلك في تحرك سريع يوحد صوت المستقلين منهم في اتحادهم المصري للنقابات المستقلة، ويضرب بقوة القانون على يد الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الذي ساهم بقوة في قهرهم منذ إنشائه.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.