تعيش مصرمنذ مساء السبت الماضي، مع أكبر تحد لها منذ قيام الثورة التي لم يكتمل احتفالها بمرور مائة يوم عليها، فوقعت فتنة إمبابة، وقتل من قتل وجرح من جرح. لكن الخسارة الأفدح كانت بلا شك متمثلة في تلك الصورة العدوانية المخالفة تماما لتلك التي رأيناها بين مسلمي ومسيحيي ميدان التحرير.
الثورة المضادة، أعداء الثورة، فلول النظام، البلطجية، كلها مصطلحات جاهزة للاستخدام وكأن كل المشاركون فيها من مواليد كوكب المريخ، وليسو مصريين، فالمصريون “الحقيقيون” مسلمون كانوا أو مسيحيون ماهم إلا ملائكة نزلوا إلى عالم البشر من أجل أن يقدموا لهم المثل العليا. أما هؤلاء الشرذمة أبناء المريخ، فلا مفر من الضرب على أيديهم، لا، بل على أعناقهم بكل قوة وحزم.
الأمر الذي دفع عددا من الأصوات دائمة الصراخ على شاشات التليفزيون، بالتحدث بنبرة الترحم على جهاز أمن الدولة، وقدرته “المعجزة” على التنبؤ بالمستقبل ودرء الكارثة قبل وقوعها. حتى إن أحدهم صاح مولولا “أنا أخشى أن تأتي مليونية في التحرير بمبارك من جديد وجهاز أمنه”، داعيا بل متوسلا المجلس الأعلى للقوات المسلحة لفرض القوانين العرفية العسكرية من أجل حماية حياة المواطنين التي أصبحت مهددة على حد تعبيره، وحماية الاقتصاد الموشك على الانهيار. في سطحية واضحة تغفل أن التاريخ لم يثبت سوى فشل العسكر في السيطرة على المدنيين سوى بالقمع الذي لا يستطيع أن يستمر طويلا. أما اقتصاديا، فقد نسي أيضا أن دولة الأحكام العرفية هي آخر مكان على الأرض يرضى بالبقاء فيه أي مستثمر أجنبي.
إن ما يحدث من تكرار لتلك المآسي الطائفية، ماهو إلا تغليب لفكر المصاطب والمصالحات الساذجة بين رجال الدين من الطرفين، وتوجيه خطاب تخديري منهم للعامة من هنا وهناك حول مائدة شاي عبثية في موقع الحادث، وإطلاق بعض النكات والضحكات، منهين العرض بحضن وطني ممل تدمع له أعين الأمهات المنتظرات لموعد المسلسل التركي أمام شاشة إحدى القنوات.
إن ما يحدث من تكرار لتلك المآسي لن يكون من الممكن وقفه ولو بألف إعلان للأحكام العرفية، أو أي عودة لجهاز أمن الدولة، والذي لم يذهب تماما على أي حال كما يريد أن يرتكن البعض ويطمئن أن الثورة “تمام”. إنما الحل لم ولن يخرج عن إطار العدل، وقوة القانون وسطوته على كل الأطراف. فلن يستطيع حينها أحد إطلاق شائعة كاذبة فتحرق كنيسة، ولن يستطيع آخر أن يقول عفوا “دار عبادتي لا تخضع للقانون وليس للدولة عليها من سلطة”، فتنحدر الأمور من سيئ إلى أسوأ، فتتلقف الفتنة آذان جاهلة، وما أكثرها، فتحولها إلى أفعال.
يا سادة ليس عودة القمع حلا يرضاه ذو عقل مستنير، أو شاب، مسلم كان أو مسيحي، فقد حياته من أجل أن يرفع هذا القمع، وقد فعل. إنما الحل يكمن في التعجيل بالاحتكام للقانون، وإصلاح وتطوير جهاز الشرطة بالكامل وإعادة بناء الثقة به بأسرع ما يمكن، وتصويب ما أعوجته الأنظمة السابقة بمطرقة العدل الصارمة، ومواجهة الأزمات بالمنطق والعقل بدلا من دفنها حية في رماد الفتنة، وذلك قبل أن تخذل مصر بنموذجها باقي الثورات العربية المستلهمة منها، وقبل أن يشمت فيها الشامتون، وما أكثرهم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.