تعمدت في رحلتي الحالية لمدينة الضباب، التركيز جيدا على الجانب الأمني وسلوك أفراد الشرطة بين مطاري القاهرة الدولي وهيثرو بلندن. وبالفعل كانت تجربة مثمرة بالنتائج الشيقة المغايرة للماضي القريب.
في مطار القاهرة سابقا كان ينظر إلى كل أصحاب اللحى على أنهم متطرفون إسلاميون، أو على الأقل على صلة ما. أما أصحاب الشعر الثائر الطويل، فهم بالطبع شيوعيون، أو على الأقل يمثلون خطر يساري ما، ربما لا يفهمه أحد.
وبالنسبة لأمثالي ممن يجمعون الاثنين معا (اللحية والشعر الثائر)، فدائما نمثل علامة استفهام غريبة على عقلية اعتادت أن تضع بطاقات تصنيفية على البشر، فأنا لست إسلاميا متعصبا ولا شيوعيا، ولا أعرف لنفسي بطاقة تصنيفية محددة. وعادة كان الأمن يثير ضحكي بسؤال عبثي متكرر: إنت إيه؟ فأختصر الطريق على كلينا بإجابة مبسطة: صحفي، فيتحدون جميعا في نفس ردة الفعل: آااه، ثم يبتسمون وتسير الحياة على مايرام.
وعلى العكس سابقا في مطار هيثرو، لا يسألك أحد عن أي شيء، بل إنني أحيانا كنت أرى أصحاب الجلباب القصير والعمامة السلفية يمرون مرور الكرام من خلال أمن المطار، مثلهم تماما مثل أصحاب التاتوهات والشعر المصبوغ باللون الأخضر أو غيره الواضعين حلقة في أنوفهم. فأحس بنوع من المساواة لا تفرق بين البشر بناء على مظهرهم، فتحترم نظام الأمن البريطاني من قبل أن تخرج من مطارهم.
أما في رحلتي هذه، فقدت تبدلت الأحوال، ليس بالضرورة إلى العكس تماما، لكنه ربما تكون في طريقها إلى ذلك. فالجديد أنني تعمدت عدم تقصير لحيتي كعادتي كل أسبوعين من أجل ملاحظة ردود الفعل الأمنية. ففي مطار القاهرة، لم أجد سوى وجوه مبتسمة لأفراد الشرطة من أول أمناء الشرطة وحتى أعلى الرتب. بل إنني لم أكتفي بملاحظة الاحترام الفائق ممن يتعاملون معي مباشرة فيما يخص إجراءات السفر، بل كنت أتوجه بالأسئلة الاسترشادية لبعضهم من المحيطين، ولم اجد سوى صورة مميزة من الأدب وحسن الخلق، أعجبتني كثيرا وجعلتني أكثر انتشاء بالثورة.
وعلى عكس المتوقع من أمن مطار هيثرو، الذي غالبا لا يفرق بين الناس حسب مظهرهم، كنت ربما الشخص الوحيد على الطائرة الذي تم إيقافه وأخذه بعيدا عن موظف الجوازات للتحقيق معه.
استوقفني ضابطا في زي مدني، واضح أنه من جهاز إم آي فايف (شبيه أمن الدولة المصري)، ذو وجه بريطاني أبيض وصارم، وسألني بتأدب أن أصطحبه بعيدا عن باقي الركاب، الأمر الذي أحرجني إلى حد ما، بسبب أنني كنت الوحيد الذي حدث معه ذلك من بينهم جميعا، وادركت أعينهم المتسائلة ماذا فعل هذا الشخص غريب الهيئة!
سألني أسئلة بسيطة وعادية عن زياراتي السابقة، وسبب زيارتي الحالية ومدتها، وأين سأقيم، ثم سألني عن عملي أيضا. فأجبت بنفس إجابتي القديمة المبسطة: صحفي. فتحول الوجه الصارم المحترم، إلى الابتسامة، ثم إلى الدردشة، بل وأحيانا ضحكات بسيطة مجاملة. غير أنه أصر على أخذ كارتي الشخصي، ثم سألني: هل نستطيع أن نقرأ كتاباتك على الموقع الإليكتروني المذكور هنا؟ : أجبت: نعم، لكنه باللغة العربية. فرد بابتسامة فخورة: عندنا من يقرأون العربية. إننا فقط نريد أن نعرف مالذي تكتبه من أفكار. ثم أصر على أخذ رقم رحلة عودتي إلى القاهرة وميعادها، مما جعلني أحس عندها بأنني قد انتهكت خصوصيتي، تماما مثلما كان يحدث عبثا قبل ثورة الخامس والعشرين، مع الفارق في تأدب سعادة الباشا البريطاني، على الأقل لفظيا.
الأمر الذي جعلني أفكر كثيرا في طريق ذهابي إلى سكني بلندن، في المقارنة بين جهازي الأمن، المصري والبريطاني. فالأول في طريقه إلى التحضر واحترام المواطنين واختلافاتهم المظهرية وربما الفكرية لاحقا، والثاني في طريقه إلى التخلي عن تاريخ طويل من الحرفية والنضج والتحضر، وانزلاقه إلى مستنقع التشكيك في كل شيئ، ووضع بطاقات تصنيفية على وجوه الناس حسب مظاهرهم من أجل دواعي أمنية لا تقل سذاجة عن دواعي أمن الدولة المصري قبل نزول المقهورين إلى ميدان التحرير.
فتتوقف وتتمعن في التغيرات الحادثة بعمق، وهل يجوز التساؤل الفكري هنا الذي يطرح نفسه بين الحين والآخر وسط المثقفين، عن حقيقة قرب سقوط تلك الأمم الشائخة التي تقود العالم حاليا؟ هل هذا التدهور الاقتصادي وقرب نفاذ الموارد، والتخلي عن مكتسبات تلك الشعوب بتوفير متطلبات المواطن الأساسية كالصحة والتعليم وغيرها، دليلا آخر عل قرب النهاية؟ ربما لن تكون هناك أي إجابة شافية لمثل تلك التساؤلات عن قريب، لكنه من المؤكد أن بضع سنوات سترينا كيف سارت الثورة المصرية وأخواتها العربية، مقابل مدى إصرار الغرب على السقوط العمدي والقفز للوراء.
هذا المقال نشر أولاً في جريدة البورصة.