اتفقت مع أحد أصدقائي المقربين والمقيمين بلندن، على مقابلته في أحد المطاعم بحي ريتشموند والانطلاق بعدها لمكان آخر نقضي فيه بقية المساء. وبعد دخولي المكان، لفتت انتباهي سيدة قد تكون في أوائل الأربعينات من عمرها تعمل كنادلة بهذا المطعم، تتسم بالأناقة وحسن المعاملة مع رواده، مع كثير من الثقة في شخصيتها الممزوجة بالتواضع في نفس الوقت.

تحدثت مع صديقي عنها بعدها مادحا إياها، فتبين لي أنه يعرفها إلى حد كبير، وأخبرني أنها في الأصل بستانية، وهي فقط تعمل ليوم أو يومين أسبوعيا في هذا المطعم لزيادة دخلها الذي تأثر بالركود النسبي الحالي ببريطانيا، والذي أثر على الطلب على خدماتها كبستانية محترفة.

وأخبرني كذلك أنها عاشقة لمهنتها الأساسية، وأنها كذلك شديدة التعمق والتخصص فيها، في لغة لم تظهر انبهاره، فهو أمر عادي وبديهي في هذا المجتمع أن يجيد كل فرد عمله وأن يفتخر به، بل ويحترمه المجتمع بصورة تلقائية كالطبيب أو المهندس، بل وأحيانا أكثر.

وذكرني ذلك بتكرار لمشهد سائق التاكسي البريطاني الذي يستغل فترات انتظاره في قراءة أحد الكتب، في صورة أنيقة خالية من كلا النقيضين: الغوغائية التي نتوقعها دائما من سائق التاكسي لدينا، أو التعالي كما تصور لنا الروايات الكلاسيكية. هم فقط أشخاص طبيعيون يحترمون أنفسهم وعملهم، ويحترمهم المجتمع، هم وعملهم بنفس الدرجة.

وعلى الفور قمت بربط تلك الملاحظات بمقال قد قرأته سابقا منذ عدة أشهر يفيد بأن دراسة قد أظهرت أن سائق التاكسي البريطاني يتمتع بكثير من المميزات، يتمثل بعضها في حصوله على أعلى نسب معدلات الدخول، وكثيرة من الثقافة والاحترام، متفوقا بذلك على كثير من المهن التقليدية الأخرى كالطبيب والمحامي على سبيل المثال.

وقد علمت أيضا أن سائق التاكسي البريطاني يمر يالكثير من التحديات من أجل الحصول على تلك الوظيفة المرغوبة لديهم بصورة كبيرة، بداية من البديهيات الفنية في القيادة وغيرها، وانتهاء بتقييمه أو تقييمها نفسيا وسلوكيا لتحمل تلك المسؤولية الكبيرة في إيصال الركاب آمنين إلى حيثما يريدون.

ربما لا تكون تلك الصور المذكورة بجديدة على القارئ، فنحن شعب دائم امتداح الغرب والانبهار بهم، لكن التذكرة هنا بتلك المشاهد شديدة الإيجابية يعود في الأساس هذه المرة إلى الروح الجديدة الوليدة بالشارع المصري بعد الثورة وعودة الأمل بأن الحياة الكريمة قد تكون واردة التحقق من جديد.

وعلينا أن نسال أنفسنا هنا، هل سيأتي اليوم على مصر بعد الثورة أن يتم احترام وتقدير، وكذلك الاهتمام بأصحاب المهن والحرف البسيطة كالبستاني والسباك والنجار وسائق التاكسي؟ هل سيكون لهم نقابات حقيقية وفاعلة تدافع عن حقوقهم وتنظم عملهم؟ هل سيكون لهم برامج تدريبية تضيف إلى خبراتهم وتطور من أدائهم المهني عمليا وسلوكيا؟

هل سيأتي اليوم الذي نرى فيه فتاة مصرية اكتفت بتعليمها الثانوي الزراعي دون خزي وباختيارها، وقررت أن تحترف عملها كبستانية بكفاءة واحترام اجتماعي، فيتقدم للزواج منها طبيبا لا يأتي في مخيلته أو أسرته يوما ما، أنه قدم تنازلا بإقدامه على مثل هذا الارتباط؟ أم أن توحش الطبقية الاجتماعية والمالية في مجتمعنا أقوى من أن يهز طغيانها مبدأ احترام البشر لبعضهم البعض؟

نشر أولا بجريدة البورصة.