كان من الطبيعي جدا أن يرحب عصام شرف بقرار باراك أوباما بتخفيض مليار دولار من ديوننا، ومبادلتها بمشروعات، وتخصيص مليار أخرى فى شكل تسهيلات قروض لتمويل عدد من المشروعات فى مصر، وذلك فى أول رد فعل للحكومة على خطاب الرئيس الأمريكي حول ما يسمونه الآن “الربيع العربى”، والذى ألقاه مساء الخميس الماضي، متعهدا فيه بدعم الاقتصاد المصرى بعد ثورة 25 يناير، جازاه الله خيرا.

وعلينا أن ندرك أن ردة فعل شرف المتجاوfة والشاكرة للإدارة الأمريكية، ما هي إلا أمر متوقع في إطار الدبلوماسية الدولية المطلوبة، حتى وإن كانت مجحفة أو هزلية كما هو الحال دائما. أما نحن معشر الكتاب وسائقي التاكسي، فقد أنعم الله علينا بنعمة حرية إبداء الرأي في أي شيئ يعجبنا أو لا يعجبنا، ضاربين بكل البروتوكولات البتنجانية عرض الحائط.

ومن وجهة النظر الغير عابئة بتلك الرسميات المملة، يبدو أن أوباما (جعل الله بيته عمار للمحسنين) قرر أن يستمر في نفس السياسة الأمريكية المكشوفة حتى لعم فرج الميكانيكي الذي لم يسمح له النظام السابق أن يتعلم كتابة اسمه. فالسيد أوباما قرر أن ينعم علينا بمعونة في ظاهرها صدقة جارية للثورة، وفي باطنها استماتة في الحفاظ على النفوذ الأمريكي بمصر خاصة وفي المنطقة بصفة عامة، وهو أمر طبيعي من منظور الألعاب السياسية على أي حال.

غير أن عم فرج الشاكر لأوباما على معروفه، يعلم جيدا أن تلك الإعفاءات المحدودة من الديون المصرية، والتي سيتم مبادلتها بمشروعات، لن تكون سوى استكمالا لسياسات الاستثمارات الأمريكية المشروطة اقتصاديا وسياسيا، والتي تعود بالنفع دائما من نفس هاتين الزاويتين على الأمريكان أكثر من المصريين. فعلينا أن نتذكر أن هذه الاستثمارات، كغيرها، تجبر أصحابها على استيراد المعدات والخبرات الأمريكية باهظة الكلفة دون غيرها، فتعود نفس الأموال المتصدق بها إلى أصحابها في فترة وجيزة إلي جيب العم سام بمزيد من الأرباح. أما سياسيا فلا داعي للإطالة في شرح ميكانيكية فرض الرأي الأمريكي وابتزاز صانعي القرار فيما يخص الكثير من الشئون الداخلية والإقليمية كعادتهم الشهرية التي تأتي في غير موعدها.

أما المليار الأخرى المتصدق علينا بها في صورة “قروض ميسرة”، ما هي إلا محاولة أخرى مستميتة من أجل الحفاظ على نفس مؤسسات الفساد المالي العالمي والإمبريالية الاقتصادية المفروضة علينا وعلى غيرنا من الدول النامية من قبل البنك الدولي وصندوق النقد، وهي نفس مؤسسات الفضائح السياسية منذ إنشائها في الأربعينات، والفضائح الجنسية مؤخرا على يد شتراوس الخلبوص رئيس الصندوق.

أما عرض أوباما السخي بمعاونة مصر في استرداد أموالها المنهوبة من قبل النظام السابق، وتفاؤل البعض، وربما الكثير، بهذا التصريح بناء على قوة جهاز المخابرات الأمريكية في تتبع المعلومات، فما هو إلا استخفاف منه وتيقنا من سذاجة المتلقي. فكيف لجهاز غارق حتى أذنيه في علاقات فساد سياسي واقتصادي واستراتيجي مع نظام مبارك السابق أن يفضح نفسه، في صورة تشبه مجرما تائبا قرر أن يعلق المشنقة لنفسه؟

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.