في غياب تام للجيش والشرطة عن ميدان التحرير، وبغض النظر عن نوايا المجلس العسكري وحكومة شرف، عادت الروح إلى ميدان التحرير بمثالياته التي لاتزال تذهل المنظرين في تاريخ الثورات وأطوار نموها. فالمصريون قدموا في الخامس والعشرين نموذجا أفلاطونيا لا يوجد سوى بالمدن الفاضلة التي لم تخرج من كتب الخيال الفلسفي بعد. أما جمعة “الغضب الثانية”، فقد أكدت على أن تلك المثاليات الإنسانية التي ولدت من رحم الثورة، مازالت على قيد الحياة على الرغم من عبث العابثين وأطماعهم.

مئات الآلاف توافدت إلى ميدان التحرير في مشهد وما أبدع. غاب الأمن الرسمي بجيشه وشرطته. توالت الفزاعات وأبدع المعارضون لتلك الاحتفالية الثورية تارة طعنا في وطنيتها، وأخرى ترهيبا، وثالثة عودة لمصطلح الفئة المندسة.

لم تكن تظاهرة علمانية خالصة كما روج الإسلاميون، وبالطبع لم تكن انقلابا على ما أسمونه الديمقراطية تشبثا بمكتسبات سياسية سقطت عليهم من السماء نتيجة للفراغ السياسي في النظام الوليد، إن جاز أن نسميه نظاما من الأساس. لقد كانت احتفالية مصرية خالصة ضمت من التنوع بين ألوان الطيف السياسي، يساريا وليبراليا وحتى إسلاميا، ما جعلها كرنفالا وطنيا بجدارة، فقط في حب مصر والخوف على ثورة حريتها من عبث المصالح.

فالملتقط لصورة عامة من أعلى ميدان التحرير في تلك الجمعة، ربما سيذهله التنوع الاجتماعي الذي عادت روحه بين ملتحيا وصاحب شعر طويل، بين محجبة ومنتقبة وغير محجبة، بين صلاة لجمعة وترانيم مسيحية سبقتها، وبين من لا ينتمي لأي من هذا ولا ذاك، والكل يغني بلادي بلادي بنصها الدرويشي الأصلي الأكثر دفئا.

نعم لم تكن تلك الجمعة ثورة ثانية من منطلق عملي، كما سماها الكثيرون، لكنها نجحت بكل المقاييس في إيصال رسائل قصيرة إلى جهات عدة وبقوة.

الأولى إلى المجلس العسكري، ومفادها أن مواجهتكم حمق، وأننا شاكرين على الوقوف مع الثورة في مهدها، لكننا لسنا أسرى لجميل لا يخرج عن كونه واجب وطني بديهي، ولا يجب أن يقصينا عن حقنا في المشاركة ببناء قواعد دولتنا الجديدة بشفافية وديمقراطية.

والثانية إلى شرف وحكومته، ومفادها أن الشارع مازال يثق في نواياه وإخلاصه للثوار الذين رفعوه على الأكتاف كما يتذكر هو بالتأكيد، لكنه ليس بمنأى عن انتقادهم اللاذع والمشروع، فالكثير من سياساته وإنجازاته مازال لم يقترب من أدنى ما يتوقع من حكومته الغير متجانسة النوايا والشفافية.

والثالثة إلى الإخوان المسلمين، لقد أخطأتم في حق تاريخكم النضالي الطويل، بل وربما أزعجتم حسن البنا في قبره باتباعكم ألعابا سياسية لم يعلمها لكم سوى عدوكم السابق، الحزب الوطني. ما فعلتموه في أسبوع ما قبل الجمعة ماهو إلا استنساخ لنفس أساليب الفزاعات والتضليل وتجنيد الإعلام ولي الحقائق الذي تعودنا عليه سابقا ومللناه، فقط من أجل المحافظة على المكاسب السياسية. غير أن قلة خبرتكم كحديثي العهد بهذا العالم أفقدتكم الكثير بعد تلك الجمعة. وهو ليس خطؤكم الأول منذ الثورة، فمتى تتعلمون؟ متى تتعلمون أن الآخر ليس ضدكم؟ إنه فقط ضد الاستئثار السلطوي والانتهازية السياسية.

ورسالة أخيرة لكل من أرهقه القلق على مستقبل الثورة، هدئ من روعك، فالساعة لا تعود عقاربها للوراء، ومن صنعوا تلك الثورة أثبتوا أنهم قادرون على حمايتها، أثبتوا أن مثالية ميدان التحرير مازالت على قيد الحياة، وأن الثورة ستحقق مبتغاها، شاء من شاء وأبى من أبي. هي فقط مسألة وقت قد يقصر أو يطول بحثا عن أرضية وطنية مشتركة. فهذا الشاب الملتحي وصديقه الذي بدا علمانيا، واللذان اشتركا في حمل كيس للقمامة محافظين على نظافة الميدان في تلك الجمعة، قادرين على إجبار عواجيز السياسة أن يتعلموا منهم شيئا، ليس بالضرورة أن يكون حمل نفس كيس القمامة، فعليهم أن يكونوا أكثر إبداعا!

نشر أولا بجريدة البورصة.