بتوقيت التاسعة واثنى عشر دقيقة من صبيحة أمس السبت، نشرت بوابة الشروق خبرا غريبا في صباح أغرب تحت عنوان “الجيش يكشف عن مخطط لتقسيم مصر إلى 3 دويلات”.

ويتناول الخبر بلغة أبرد من محتواه ما يشير إلى أن لقاء ما تم الأربعاء الماضي، ولم نعلم عنه نحن شيئا حتى لحظة النشر، بين عدد من قيادات القوات المسلحة وممثلين عما يسمى ائتلاف مجلس قيادة الثورة المصرية، فى مقر أكاديمية ناصر العسكرية، قبل انطلاق أولى جلسات الحوار بين المجلس العسكرى وشباب الثورة، والتي لم تختلف كثيرا عن مؤتمرات الحزب الوطني المنحل على أي حال بشهادة من الحضور.

وينقل الخبر على لسان محمد عباس، العضو المؤسس بالائتلاف، واصفا اللقاء بأنه ” كان مثمرا للغاية، حيث اطلع ممثلى ائتلاف مجلس قيادة الثورة على وثائق تؤكد تعرض البلاد لمؤامرة من أطراف داخلية وخارجية”. وقام بسرد ما ورد في تلك الوثائق من مؤامرات داخلية وخارجية على مصر، وما تتعرض له البلاد من أخطار محدقة.

وما يخص الشأن الداخلي من تلك المؤامرات حقيقة لم يكن ليستدعي هذا اللقاء السري الذي انفرد به هذا الائتلاف تحديدا، ولم يطلع عليه باقي الشباب اللذين التقاهم الجيش بعد ساعات، وهي أمور يعرفها ويفهمها أي سائق تاكسي يسلي يومه بالثرثرة في آذان الركاب، وهو أمر على خطورته، تكمن بساطة حله في تطهير جهاز الشرطة وإعادة هيكلته بجدية بعيدا عن مسرحيات وعروض المكياج السخيفة الحالية التي يفهمها ويدرك عبثيتها نفس سائق التاكسي، وربما تشاركة ابنة اخته أيضا نفس الرؤية.

غير أن ما يخص الشق الخارجي من المؤامرات، فيبدو أن الأمور “وسعت” قليللا، أو ربما كثيرا، من المجتمعين سرا أنفسهم، وكاتب الخبر الذي اقتنصه قنصا كسر الأسرار الأعظم. فقد صبحنا السيد عباس بتبشيره لنا “بتفتيت مصر إلى دويلات صغيرة (دولة نوبية فى الجنوب، وأخرى مسيحية فى الصعيد، وثالثة إسلامية فى شرق البلاد)، على أن يتم طرد الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء لتحدث حرب ثلاثية أطرافها مصر وفلسطين وإسرائيل”، ويبدو أن المؤامرة نسيت أن تضيف دولة أمازيغية في الغرب عاصمتها واحة سيوه.

وأضاف السيد عباس الذي نصب نفسه هو وائتلافه ممثلا للشعب أنه “طلب من المجلس العسكرى دعم حملة توعية ضخمة بخطورة هذا المخطط فى جميع محافظات الجمهورية وفى مختلف الهيئات الحكومية والخاصة، ولفت إلى أن قيادات الجيش الذين التقوهم وعدوا بإيصال صوتهم ورسالتهم إلى المجلس العسكرى.

لا أدري بصراحة أي نوع من الوثائق قد يثبت مثل هذه الترهات، سوى مئات بل ربما آلاف من المواقع الإليكترونية والمدونات التي يملكها الكثير من المعاتيه الذين يخططون لكل شيئ في العالم ويحللون كل شيء في زمن يتميز فرضيا بهذا النوع من الحرية، الذي مثلما سمح لنشطاء فيسبوك أن يطلقوا ثورة، سمح كذلك لآخرين أن يتنبأوا بأن يوم القيامة كان من المفروض أن يحدث منذ بضعة أسابيع، بل ووجدوا فعلا آذانا مصغية لهم. أتمنى من الله ألا تكون تلك الوثائق السرية من مثل هذا النوع من العته الفكري لبعض المجانين المنتشرين عبر الكرة الأرضية، وإلا سنكون أكثر عتها منهم إذا صدقناهم.

فدعونا نفكر قليلا ونعمل عقلنا بالله عليكم بعيدا عن نظام الفزاعات السائد حاليا. ألا يعد إهانة لعموم مسيحيي مصر، أو بمعنى أدق المصريون الذين يدينون بالمسيحية أن نعتقد أنهم قد يطالبوا بدولة لهم منشقين عن هويتهم المصرية التي يصعب أن يشكك بها أحد حتى وإن تعالت قلة قليلة منهم في الخارج بمثل هذا الشطط؟

أما أبناء النوبة وعلى الرغم مما تعرضوا له من ظلم تاريخي، فمن المؤكد أنه لو على صوت أحدهم نشازا وطلب بمثل هذا العبث، حتى وإن لقي دعما أجنبيا لذلك، فستطوله أيديهم فتكا قبل أن يصل صوته إلى القاهرة، فتاريخهم الوطني وتركيبتهم الاجتماعية على رغم معاناتهم لا يبرهنان إلا على ذلك.

أما شطط فكرة طرد الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، ودخول إسرائيل في حرب مع مصر، فلا يعد سوى انتحارا عسكريا وسياسيا للكيان الصهيوني كما أشار بعض المحللون منذ عدة ايام في نفس الصحيفة، وخاصة في ظل الظروف العالمية الحالية المتسولة لأي نوع من الاستقرار، والارتفاع النسبي للوعي بين شعوب العالم غربا وشرقا، والتي قد تفتك بحكوماتها فتكا إن هي عبثا سمحت بذلك، ليس حبا فينا، لكنه تجنبا لتلك المغامرات التي سئموا هم أنفسهم منها. ذلك بغض النظر عن التشكيك في قدرة المصريين على الدفاع عن أراضيهم بأنفسهم.

لا أدري لماذا يستمر مسلسل الاستخفاف بعقولنا كمصريين بين من يملك السلطة أيا كان سواء قبل الثورة أو بعدها من ناحية، ومن يقوم بدور الموصلاتي الفكري والمطبلاتي السياسي لصالح من يملك نفس السلطة من ناحية اخرى، في تلك الصور الركيكة من الفزاعات التي تفتقر للكثير من الوعي والمنطق وتتسم بكم مهين من الجهل التاريخي والجغرافي، في حالة من فرض الوصاية على شعب لا يراد له أن يعامل كناضج يستطيع أن يختار مساره بنفسه.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.