من المعروف أنه منذ سيطرة حركة حماس على السلطة في قطاع غزة، وبغض النظر عن تبادل الاتهامات بين كل الفرق المتناحرة دعما أو رفضا، كان الموقف المصري واضحا منذ مجيئ حماس إليها بعدم الاعتراف بحكومتها أو التعاون معها. وانطلق الحصار الإسرائيلي على القطاع، ومازالت مصر ترفض التعاون مغلقة لمعبر رفح ، المنفذ الوحيد لأهالي غزة، فيما عدا بعض الأوقات الاستثنائية. وباختصار هذا هو المشهد السياسي بالغ التعقيد والجذب والشد.
أما المشهد الاقتصادي المترتب على هذا الوضع فقد بدى فيه تطورا شاذا لحركة الأسواق وبديهيات العرض والطلب على سلع غير موجودة في الأساس، أو منعت من الوصول للقطاع.
أولا جاء ارتفاع الطلب على خدمة النقل عبر الأنفاق لجميع أنواع السلع التي وصل أحيانا ثمن نقل ال 10 كيلوجرامات خلالها إلى 100 دولار. فاصبحت هنالك حياة اقتصادية موازية تشبه في شكلها صورة متطرفة لما يعرف بالسوق السوداء. وبناء عليه فقد ارتفعت أسعار كل السلع لتصل إلى أرقام خرافية مقارنة بأسعار نفس المنتجات، فقط عبر أمتار من الحدود على الجانب المصري.
أما مؤخرا وبعد حادثة الاعتداء على أسطول الحرية في المياه الدولية أمام سواحل غزة واستنكار العالم لها، لوحظ أن حركة نقل البضائع إلى قطاع غزة عبر الأنفاق قد تأثرت بشكل كبير منذ القرار المصري بفتح معبر رفح حتى إشعار آخر، حيث قلت الطلبات الواردة من قطاع غزة لوسطاء نقل البضائع لدرجة وصلت إلى توقف بعض العاملين في الأنفاق عن العمل نتيجة عدم وصول أي بضائع لنقلها.
وقد لوحظ ايضا أن أجور النقل عبر الأنفاق تدنت نتيجة قلة البضائع المارة منها، واتجاه العديد من أصحاب الأنفاق إلى تخصيص عملها في أنشطة معينة من بينها، مواد البناء ووقود السيارات، وقد وصلت أجرة نقل الجوال الواحد الذي يزن40 كيلو جراما عبر الأنفاق لـ 25 دولار فقط بعد أن كان ينقل ب 300 دولار، وأخذ ينخفض على مدار ثلاثة أعوام حتى وصل إلى السعر الحالي.
الأمر الذي يمثل حالة شاذة من أشكال العرض والطلب المبني على تشوه اقتصادي غير عادي مبني على سياسة فرضت على أهل القطاع الذي لم يرتكب سوى “جريمة” واحدة وهي التصويت لحركة حماس في الانتخابات التشريعية السابقة.
أما الملاحظة الاقتصادية الثانية فتترتب على استفادة أهالي الجانب المصري من الحدود من أي من تلك القرارات السياسية المعوجة. أولا في حالة الإغلاق التام، ترتفع هوامش الربح بصورة مبالغ فيها عندما يكون مصير البضائع المرور عبر الأنفاق. الأمر الذي أدى بدوره إلى نشوء مجتمع اقتصادي جديد وشاذ هو الآخر مبني على حركة التداول داخل الأنفاق، سواء من عمالة مطلوبة، أو موردين للسلع.
أما ثانيا، ففي حالة الوضع الراهن من فتح المعبر بدون إشعار آخر أمام الفلسطينيين للعبور إلى الجانب المصري، فقد أدى ذلك إلى رواج كبير لحركة التجارة التقليدية (خارج الأنفاق) بصورة كمية بالطبع، وهو شيئ منطقي وجيد. غير أن هوامش الربح هنا هي الفيصل في تلك الفائدة الاقتصادية العائدة على التجار حيث أن المواطن الفلسطيني المحروم من معظم احتياجاته، والذي تعود على دفع اسعار خيالية داخل غزة لبضائع مرت عبر الأنفاق، ليس لديه المانع في دفع اي ثمن لما يحتاجه وعن رضا، كون انه مهما دفع سيكون بالتأكيد اقل مما يدفعه في غزة بأضعاف، غير أنه مازال أغلى من الطبيعي أيضا باضعاف، والكل مستفيد.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.