فور الإعلان عن انتصار شعب دمياط في ثورته ضد إنشاء مصنع أجريوم الكندي صاحب التاريخ الطويل من الكوارث البيئية والإنسانية والمسجل بين الأخطر في العالم، انطلق أبناء تلك المحافظة في الشوارع محتفلين ومفاخرين بانتصارهم على مصنع الموت الذي دعمه كل من الحكومة المصرية والكندية وجيش من الفاسدين المحليين باستماتة.

يعتاد أهل دمياط على الفخر بسبب وبدون سبب، وهم لا يختلفون كثيرا عن باقي المصريين في تلك النزعة. “إحنا اللي نقلنا الكوبري”، عبارة تجدها مكتوبة باللون الأزرق على عدد من الحوائط الكبيرة في مواقع استراتيجية، معبرة عن فخر الدمايطة بعملية نقل نادرة لكوبري أثري منذ بضع سنوات وتحويله إلى معرض للفنون التشكيلية على ضفاف النيل. “وكمان المصنع”، عبارة إضيفت بالأحمر لنفس العبارة الزرقاء السابقة، فخرا بالنصر في موقعة أجريوم ونقل مصنع الموت، وذلك منذ حوالي ثلاثة أعوام.

الصدمة الكبرى، المصنع لم يتم نقله، فقط غير اسمه إلى موبكو تحت مظلة مجمع مبارك للصناعات الكيماوية، في تورط فاضح لوزراء حكومة “طرة”، التي استفادت بأكثر من صورة متوقعة، لكن أكثرها كوميدية هو تعيين ابن وزير العدل السابق بالمصنع.

هكذا ظل أهل دمياط في نشوة وهمية وفخر مزيف بانتصار لم يحدث. احتفلوا واحتفلوا، ثم بالغوا في الوصف وكفاحهم ضد مصنع الموت، فصدقوا أنفسهم ورفضوا التحقق من الواقع مفضلين الوهم، على الرغم من وضوح الكثير من المؤشرات على وقوع مؤامرة ما.

كان عددا من العقلاء يحاول أن يشير إلى أن هناك أمر غير واضح بعلاقة شركة موبكو المجاورة لموقع أجريوم بالموضوع، لكن أحدا لم يرد أن يسمع لهم، بل هوجموا بشدة واتهموا بإفساد فرحة الشعب “المنتصر” الذي نقل الكوبري والمصنع كمان، بل وبلونين مختلفين.

اقتنع الشعب المسكين بأنه منتصر تحت خديعة مؤامرة وما أبرع، قادتها الحكومة السابقة بالتعاون مع محافظ دمياط حينها والذي ترقى بعد الثورة لمنصب وزير الإسكان حاليا، محمد فتحي البرادعي، بالتعاون مع أحمد نظيف رئيس وزراء مبارك المخلوع، كما ترسم الصحف المحلية التفاصيل المؤسفة المبشرة بكارثة بيئية محققة ووفيات بالجملة ليس للبشر فقط بل للكثير من أشكال الحياة في تلك المحمية الطبيعية برأس البر على ساحل المتوسط، والتي بدأت بالفعل في التأثر.

حرفية عالية في رسم المكائد والخدع تلك التي تميزت بها الحكومة السابقة، وربما جزء من الحالية، من يدري فمهندس عملية إخفاء الحقيقة وتضليل أهل دمياط وإقناعهم بأنه في صفهم وشريكهم في فرحة النصر، هو اليوم وزيرا للإسكان في حكومة يقال عنها أن الثورة قد جاءت بها.

ومن دمياط إلى القاهرة! من وهم الفرحة بنقل أجريوم، لفرحة أخرى أوسع بثورة شعبية، نخشى ما نخشاه أن تكون هي أيضا وهما يعيش في شعب يدمن تعجل الافراح والليالي الملاح، دون التحقق من التفاصيل وبواطن الأمور، في حالة من الفخر المبكر والمضلل للذات قبل الآخرين بأن معجزة ما قد تمت. بالطبع هنالك معجزة ما تتلخص في أن مبارك لم يعد “يملك” مصر، ولكنها لم تتم بعد.

أتخوف كثيرا أن تنطبق “نظرية أجريوم” على ثورة الخامس والعشرين من يناير ونستيقظ يوما ما فندرك ان عاصمة مصر لم تكن القاهرة كما أخبرونا بالكتب، بل هي شرم الشيخ، وأن المستشفى القابع فيها مبارك الآن، ما هي إلا قصره الرئاسي متنكرا للتمويه حتى تمر العاصفة، ولا مانع من مشاركة الوجوه القديمة في الحكومة “الساقطة” فرحة الشعب الذي من المؤكد أنه كتب على حائط ما، أو ربما على ألف حائط وبكل الألوان “إحنا اللي عملنا الثورة”… ويا خوفي يابدران مما يحاك وراء الجدران.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.