عطلة أسبوعية غريبة، وموقف أغرب، تنتهي بأخبار ولا أغرب! بإيجاز شديد تقابلنا، نحن مجموعة من الأصدقاء القدامى، على أحد المقاهي بعد فترة انقطاع. تجاذبنا بالطبع أطراف الحديث الأوحد هذه الأيام، وهو عن الثورة بالطبع، وكانت عملية تطهير الشرطة أحد أهم محاوره بلا منازع. مر صدفة صديق قديم ومشترك بين مجموعة الجالسين، يتصادف أنه ضابط شرطة.
لم يكن من المدعوين، ولم يجلس على الإطلاق على الرغم من إشارتنا لذلك، عانقنا بصورة عاجلة وقوية كعادة الرجال في إظهار الاشتياق لبعضهم البعض، أو ربما كانت مجرد مجاملة مرتفعة الحرارة. وفي موقف لم يتعدى من بدايته إلى نهايته الدقيقة، سأل صديقنا الضابط مازحا أو متهكما “إيه أخبار الثورة يارجالة؟”، مستتبعا سؤاله السريع بضحكات عالية أقرب إلى أن تكون هستيرية، تاركا إيانا ورحل على الفور، وننحن ننظر لوجوه بعضنا البعض محاولين أن نفهم تلك المزحة التي لم تضحكنا، وما الذي حدث لزميل دراستنا بالثانوية الذي يبدو أن علة عقلية ما قد أصابته. غير أننا بعد مدة أوجز من تلك التي حدث فيها اللقاء معه، قررنا أن تجاهل الواقعة هو أفضل الحلول، بغية عدم تعكير صفو تجمع الأصدقاء.
في صباح السبت، وعلى موقع بوابة الشروق، نشر خبر تحت عنوان: خروج عشرات اللواءات في حركة (تطهير الداخلية)، مع ملاحظة القوسين المرافقين لمصطلح تطهير الداخلية. الأمر الذي يبدو فيه أن كاتب الخبر بصورة ما ربما لم يقتنع ولم ير أي مما يقال أنه تطهير. فهل هو من هؤلاء “المجانين” الذين يؤمنون بأنه لا توجد ثورة لا يتبعها تطهير؟ وأن ما يحدث الآن ماهو إلا مسرحية ثقيلة الظل؟
إن المتابع لأخبار التغييرات والتطورات الجارية بجهاز الشرطة المصري بعد الثورة، كان يتوقع من الحكومة الجديدة أن تقوم بعمليتي غسيل معدي وكلوي واستئصالي لكل ما فسد من أعضاء في هذا الجسد متعدد العلل المزمنة. لكنه ضد أي منطق أو عرف ثوري، أي من ذلك لم يحدث، على الرغم من أن هذا الجهاز قد سقط بالفعل سقوطا مدويا مساء الثامن والعشرين من يناير، وقد وجب استبداله بجهاز أصلح.
حاولت حكومة شرف، وقيادة العيسوي الأمنية بطريقة ما، لا أدري كيف توقعوا أن يتقبلها الشعب الثائر وأسر مئات الشهداء وآلاف المصابين، أن يقوما بعملية مكياج ركيكة، ربما لم تتعدى تغيير بعض المسميات، ونقل بعض المتورطين لمناطق أو قطاعات أخرى، وكأن من سيتعاملون معهم ليسو مواطنين. بل إن المضحك حقا أن بعض القيادات الأمنية الخاضعة للمحاكمة القضائية مازالوا يمارسون عملهم، فيؤدي لهم حرس المحكمة التحية الميري عند دخولهم وخروجهم من القفص، في صورة كاريكاتورية يصعب على العقل أن يصدقها.
وفي حكم أن المكياج لم يؤت أكله، لأن حال الجسد المعتل لم يتغير بعد، عادت مآسي التعذيب حتى الموت والعنف داخل أقسام الشرطة، ورشوة بعض أفراد الأمن في الشارع، كما تتناقل الصحف الأحداث التي لا يبدو أن الثورة غيرت في واقعها من شيئ.
وبناء عليه يبدو أن السيد وزير الداخلية، الذي لا أدري لماذا لم يستقيل حتى الآن من منصبه احتراما لسمعته الطيبة، قد قرر تعميق عملية تحسين المظهر نسبيا بحركة تنقلات ومعاشات، لا ترقى من قريب أو بعيد بمنطق الفترة الحرجة الحالية التي تمر بها مصر بعد سقوط النظام، في تجاهل واضح لشرعية المطلب الثوري.
وبإيجاز للخبر فقد قامت الداخلية بالانتهاء من الترتيبات النهائية لحركة تنقلات ضباط الشرطة الشاملة تمهيدا لإعلانها خلال أيام، والتي شملت إحالة بعض اللواءات إلى المعاش، وعدم وضوح الموقف من بعض الشخصيات بعينها، والذين تم التمديد لأحدهم بالخدمة ست مرات بعد تجاوزه السن القانوني للمعاش. غير أن نفس حركة التنقلات الكريمة في ملامحها الأولية قررت استبعاد عدد من ضباط ائتلاف الشرطة المنحل من أماكنهم إلى أماكن أخرى، بعد إصرار بعضهم على إحالة جميع الضباط الموالين لحبيب العادلى وزير الداخلية الأسبق إلى المعاش.
صورة عبثية لا يفهم منها من يكافئ ومن يعاقب وعلى ماذا تحديدا! في حال من تطور عجيب لعملية التغيير المسماة عبثا بالتطهير، من مبادرة لوضع مكياج تبين سريعا فشله في ستر العوار، إلى التقدم ببطئ نحو عملية تجميلية لا تختلف عن محاولة تنفيخ شفايف لسيدة مصابة بسرطان الدم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.