حد يرفض النعمة؟… نعمة واللي يرفسها يعمى… مثلان شعبيان يعبران عن الانتقاد اللاذع لكل من تأتيه النعمة فيتبترعليها ويرفضها فاتحا على نفسه أبواب غضب السماء.

غير أن تفسير مفهوم النعمة في حد ذاته هو أمر نسبي، فليست كل هبة مجانية، وليست كل هدية بريئة النوايا، فمن العطايا والمنح ما يذل ويفقد الحر كرامته، ومن “النعم” ما يستحق الرفس بكلتا القدمين.

تماما كما كان الحال منذ بداية التسعينات بين مصر متلقية النعمة وصندوق النقد وشقيقه البنك الدولي أصحاب العطايا. عطايا جعلت من الحاكم أسير الدين مكبل اليدين، وجعلت من الغني مسخا متوحشا كنتيجة لتطبيق أسوأ ما في الرأسمالية غائبة السيطرة، ومن الفقير عبدا يزداد جوعا وصمتا يوما بعد يوم. ببساطة تلك كانت علاقة هذا الصندوق بمصر، ومازالت هكذا مع معظم دول العالم النامي، والأدلة البحثية المثبتة علميا تملأ المكتبات ومحركات البحث لمن يريد التثبت من الأمر.

علينا أن نسال أنفسنا سؤالا بديهيا: لماذا يصر الصندوق والبنك الدولي على مساعدتنا؟ هل لسواد أعين الثورة؟ بالطبع لا! هي مصلحة رئيسية تتواجد على أرض تلك الدولة الاستراتيجية والمحورية التي تصادف أن تكون مصر. وفقدان مصر كحليف قديم (نشكر الحكومات السابقة) في المنظومة العالمية الحالية التي تعد الأكثر ظلما وانتهازية تاريخيا، هو في حد ذاته كارثة استراتيجية لكبريات حكومات هذا النظام المعوج المسيطر على المنطقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة المستفيد الأول من هاتين المنظمتين.

الأمر الذي جعل الأمريكان يحسون بالخطر الداني من فقدان السيطرة على القرار المصري، فاتحد النقيضان جون كيري السيناتور الديمقراطي، وجون ماكين السيناتور الجمهوري، واللذان كانا مرشحان لرئاسة البيت الأبيض بأجندات متباينة، اتحدا معا على أن فقدان مصر أمر غير وارد.

جاءا في صحبة مجموعة من المستثمرين الأمريكان من أصحاب المحافظ المنتفخة المالكة لتلك الشركات العصابية السلوك سيطرة وبلطجة على الأسواق العالمية، بل وإمعانا في أهمية المهمة وحساسيتها، لم يكتف الوفد بالسفيرة الأمريكية الحالية، بل اصطحبهم سابقها أيضا في رحلة خلوية إلى ميدان التحرير كان ينقصها سندوتشات الخيار بالجبنة وعلب العصير.

وموجها كلامه للمارة والإعلاميين، صرح ماكين صاحب تاريخ الكره للعرب والمسلمين كما أوضحت دعاية حملته الانتخابية الفاشلة، والذي يزور ميدان التحرير للمرة الثانية منذ 25 يناير “أن أمريكا مستعدة للاستثمار في الوظائف وفرص العمل، وسنواصل دعم جهودهم من أجل الديمقراطية والحرية ونمو الاقتصاد”، وهو طبعا كما أشرنا من أجل سواد عيون الثورة المصرية.

وقد أصابت الحكومة الحالية المتخبطة اقتصاديا أخيرا، وعلى لسان وزير ماليتها، الدكتور سمير رضوان، أن مصر لا تحتاج في الوقت الحالي لأية قروض من البنك أو صندوق النقد الدوليين، مشيرا إلى استمرار التعاون الفني بين مصر وتلك المنظمات الدولية، والاستفادة من خبرائها، حيث ترتبط مصر بعلاقات متميزة مع هذه المنظمات.

عظيم! وخاصة الجزء الأخير المعبر عن دبلوماسية الرفض المحترمة حتى ولو شكليا للمنظمتين الفاسدتين. فليس من الحكمة أبدا الدخول في صراعات وانتقادات مع أطراف قد يكون من الصعب تحمل غضبها أو تآمرها في تلك المرحلة الحرجة. ربما يكفينا أن نشكرهم ونقول لهم: مش عايزين النهارده، مصحوبة بابتسامة مصطنعة لزوم الكاميرات.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.