يتداول المصريون مثلا شعبيا معبرا عن تحمل المسؤولية في الأمور المعقدة والغير متوقعة، ويلقيه بصورة منطقية على من كان سببا في خلق تلك التعقيدات. فيقولون بصورة ولا أوضح “اللي حضر العفريت يصرفه”.
وفي سياق يبدو منفصل، غير أنه شديد الاتصال وربما الالتصاق، هنالك سبب ما يدعونا لتذكر هذا المثل القوي في بساطته، وما يجري من أحداث سياسية تلك الأيام التي ندعوا الله أن يمررها على خير.
فالشعب بكافة اطيافه وطبقاته قام بثورة عظيمة ومجيدة راح ضحيتها أكثر من ألف شهيد، وأكثر من ألف مختف، وآلاف المصابين. ثورة أجبرت فرعونا وكهنته على أن ينخلعوا من أمام أعيننا، وأجبرت جيشا (على الأقل أخلاقيا) أن يؤيدها وينحاز إلى أصحاب الحق، وتم إعلان تشكيل مجلسا أعلى للقوات المسلحة حاكما فعليا للبلاد، مهما تشكلت من حكومات يطلقون عليها تسيير الأعمال، وبايع الشعب في عجالة تلك الحالة الضبابية شاكرا ومقدرا موقف الجيش.
لم يتم تحقيق مطالب الثورة في بدايتها وفور ما سمي وقتها “سقوط النظام”، في لحظة كانت تعد الأنسب تاريخيا وتوافقيا بين كل أطياف السياسيين والثوريين وبسطاء المشاركين في تحقيق تلك المعجزة، ودخلنا في مرحلة معقدة من الفرقة على مسميات ومصالح في كعكة سياسية هي غير موجودة في الأساس. فلدينا إعلان دستوري فرض بصورة تبدو ديمقراطية في أسوأ توقيت ممكن، ولدينا صورة عجيبة من المفاضلات والمقاربات بين من يملك السلطة الآن وبين فصيل أو آخر يرى صاحب الفصل أن التعاون معهم قد يكون مفيدا.
ولدينا الآن صراع خلقه إعلان دستوري ولد ديمقراطيا في مظهره، وعبثي في تكوينه، حيث صوتت الجماهير الثائرة على مواد محددة، وجاء المجلس بصحيفة عكاظية الطول من المواد التي لم يبدي أحد فيها رأيه ولم يصوت عليها أحد. الأمر الذي جعل من يطالب بالدستور أولا صاحب حق منطقي، ومن يطالب بالانتخابات أولا صاحب حق ديمقراطي.
فرضت على الشعب حكومة شفيق، وأوشك الشعب على الثورة من جديد فرحلت أو ربما رحلت. جاء شرف من الميدان على قمة مجلس وزاري هو في معظمه مفروض، ناهيك عن حركة محافظين أقل ما توصف به أنها عار على الثورة وكل من أيدها، ثار الشعب (أو جزء منه) فطلب من عصام صاحب شرف الميدان أن يشكل أخرى. يصيح الجميع ويصرخ تسولا لتحقيق مطالب الثورة المشروعة بغض النظر أن أي دستور أو انتخابات وأيهما يأتي أولا، وفي مقدمتها محاكمة عاجلة عادلة ناجزة لقتلة الثوار قصاصا لدماء الشهداء، فلم نرى سوى ترتيبات مظهرية لمحاكمات تفتقد للجدية وتتميز بكثير من ضعف الإجراءات القانونية بصورة لا تترك للقضاة (المتمسكين بالفاكانس) سوى إخلاء السبيل وأحيانا البراءة.
سيادة المشير المحترم، أصحاب المعالي أركان وقيادات المجلس العسكري الموقر بما فيكم السيد الفنجري الغاضب تليفزيونيا، لقد كانت هناك لحظة مثالية وحاسمة في مسار تلك الثورة العظيمة في بدايتها، ولقد ملكتم ومازلتم تملكون قوة الإصرار على مسارها المثالي التطهيري الذي لم نبلغه بعد. جئتم إلى رأس السلطة بعد ثمانية عشر يوما من الأسرار خلف الأبواب المغلقة في مطبخ القرار السياسي المصري مجهول التفاصيل وفاقد الشفافية، وتلى ذلك قرارات وبيانات لم تنجح سوى في توسيع الفجوة بين فصيل والآخر، وتعقيد السير على طريق تحقيق العدالة يوما بعد الآخر، وذلك أيضا من خلف نفس الأبواب المغلقة.
صحيح أننا نحلم بفتح تلك الأبواب ومعرفة كل التفاصيل منذ اندلاع الثورة، والصحيح من الخيال بدء بأوامر إطلاق النار التي رفضت كما يتداول الجميع، مرورا بإعلان تأييد الثورة، وانتهاء بمشهد اليوم بالغ التعقيد. لكننا نرى أن تلك التفاصيل ربما يكون من الحكمة أن نتغاضى عنها الآن في سبيل العودة للمسار الصحيح، فلا توجد دولة بدون أسرار سياسية، فما بالكم بالعسكرية، ربما يكون من الأفضل أن ننتظر التاريخ الذي سيكشف يوما ما عن تلك الحقائق، شاء من شاء وأبى من أبى. أما الآن يبدو أنه لامفر من أن يبادر مجلسكم الموقر بصرف العفريت الذي “حضره” بدون داع، ربما لا نعرف كيف، فنحن لم نكن أبدا وراء تلك الأبواب، لكنها مسؤوليتكم في تلك المرحلة بالغة الهشاشة في صراع الحق المنطقي ضد ما يبدو على أنه حق ديمقراطي في مشهد أنتم من خلقتموه، وثورة تفقد المعنى الحقيقي لمسماها يوما بعد يوم.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.