قُتل خمسة جنود مصريين في سيناء على يد قوات إسرائيلية؛ شاب مصري يتسلق 22 طابقًا لينزع علم نجمة داود ويضع مكانه العلم المصري فوق السفارة الإسرائيلية في القاهرة؛ ورئيس جامعة الدول العربية السابق عمرو موسى يصرّح بأن «اتفاقية كامب ديفيد ليست قرآنًا ولا إنجيلًا».

بدت هذه الأحداث التي تصاعدت في النصف الثاني من أغسطس وكأنها تمهيد لأزمة دبلوماسية. لكن السياسة تسير بطريقة مختلفة.

هل المصريون والإسرائيليون مستعدون فعلًا لهدم اتفاقية كامب ديفيد، المستمرة منذ 33 عامًا، والمخاطرة بإنهاء حالة «اللاحرب» التي يطلق عليها الدبلوماسيون خطأً اسم السلام؟ رغم أن الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي كان أقرب أصدقاء إسرائيل في العالم العربي، لم يعد في المشهد، فإن الإجابة ما زالت «لا». حتى الآلاف الذين يهتفون من أجل التغيير في الشوارع لن يكون بإمكانهم قلب ميزان القوى الإقليمي.

لكن هذا لا يعني أن الأمور لن تتغير أبدًا. من الواضح أن مصر ما بعد مبارك لن تقبل ببقاء الوضع كما هو. ويقدّم الوضع المعقد في سيناء منذ الثورة بعض المؤشرات على الكيفية التي قد تؤثر بها هذه التغييرات على اتفاقية كامب ديفيد.

لقد عانت شبه الجزيرة معاناة مزمنة طيلة ما لا يقل عن ثلاثين عامًا بسبب مشكلتين مترابطتين. الحكومات المصرية تأخرت مرارًا وتكرارًا في التعامل مع تحديات محلية جدّية، كانت ناتجة عن اتفاقية السلام الموقّعة عام 1978 التي فُرضت بقوة الدفع الأمريكي.

في السنوات الأخيرة، أطلق المراقبون العنان لخيالهم بشأن تأثير تنظيم القاعدة في سيناء، خاصة بعد تفجيرات منتجع طابا المؤسفة على ساحل البحر الأحمر عام 2004.

لكن التهديد الحقيقي ينبع من سجل نظام مبارك في اضطهاد، بل وقتل، بعض أبناء قبائل البدو في شبه الجزيرة. غير أن التظاهرات التي خرجت هذا العام للمطالبة بوقف العنف جاءت عقب التفجيرات المتكررة لخط الغاز المؤدي إلى إسرائيل. هذا الخط الذي يثير غضب غالبية المصريين، غير أن هذه التظاهرات أظهرت أن أغلبية سكان سيناء يعملون على محو وصمة الإرهاب.

قبل 25 يناير، بداية الثورة، حاول مبارك إخفاء أزمة سيناء تحت غطاء الرمال والشواطئ الجميلة التي كانت تُسوّق للغرب باعتبارها جنة سياحية. وفي الوقت ذاته، كانت القاهرة تضع حلولًا مرتجلة لا تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار الحتمي.


اياً يكن شكل الحكومة المقبلة في مرحلة ما بعد مبارك، سواء كانت المؤسسة العسكرية ستُعيّن من يمثلها، أو، كما يأمل كثيرون، تُنتخب إدارة ديمقراطية، فإنها ستواجه أزمة معقدة في سيناء ما زالت تتدحرج ككرة ثلج.

سجل الحكومة الانتقالية، تحت إشراف المؤسسة العسكرية غير الواضح، كان ضعيفًا في أفضل الأحوال. لكن، وبشكل مفاجئ، يبدو أن حكومة رئيس الوزراء المؤقت عصام شرف قد أدركت هذه التحديات وقررت التحرك. فقد قرّر مجلس الوزراء في الأسبوع الأخير من أغسطس إطلاق ما سُمّي «الهيئة العليا لتنمية سيناء»، ومنحها صلاحيات وزارية وميزانية مستقلة.

وفي الوقت ذاته، أدان المجلس بقوة الانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة على الحدود بلغة لم تُستخدم من قبل في أكثر من 20 حادثًا مشابهًا منذ عام 1978. كما استُدعي السفير الإسرائيلي في القاهرة وطُلب فتح تحقيق مشترك.

بطبيعة الحال، لم تُرضِ هذه الإجراءات الأصوات المرتفعة على الجانبين. لكنها لن ترضى أبدًا. حتى وقت قريب، كانت الأعلام الإسرائيلية تُحرق يوميًا تقريبًا في المدن المصرية منذ بداية العام. وبعض الكتّاب الإسرائيليين دعوا إلى تمزيق اتفاقية السلام وتطهير سيناء من «جيوب الإرهاب». لكن الواقع أن كلا الحكومتين، وشرائح واسعة من شعبي البلدين، يدركون أن أياً منهما لا يستطيع تحمّل قطيعة.

تمرّ إسرائيل بإحدى أصعب الفترات في تاريخها القصير. يكفيها ما تعانيه من صداع بسبب إيران النووية، والمستقبل الغامض لسوريا، والمواجهة المتكررة مع حماس في غزة، وحركة اجتماعية داخلية غير مسبوقة ضد سياسات الحكومة. آخر ما تريده إسرائيل هو إضافة مصر إلى هذه القائمة.

أما على الجانب الآخر من الحدود، فمصر الجديدة، بكل ما تواجهه من تحديات، هشّة للغاية بحيث لا تستطيع الدخول في مواجهة مع أي طرف – وقطعًا ليس مع إسرائيل. هناك حكومة غير قادرة على ضبط علاقاتها مع الجيش في مرحلة انتقالية غامضة. ولا تستطيع حتى تحمّل مواجهة دبلوماسية جدّية؛ فالسفارة المصرية في تل أبيب تمارس أعمالها كالمعتاد.

بدلًا من انفجار، تدفع التيارات السياسية في الاتجاه المعاكس، نحو مائدة المفاوضات، لفكّ العقد التي ربطتها ثلاثة عقود من تجاهل الواقع على الأرض.

قد تُسهم الدبلوماسية في امتصاص بعض الغضب في الشوارع، لكنها، والأهم من ذلك، تتيح إعادة التفاوض على بعض النقاط الأساسية من دون الحاجة إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد بالكامل. وقد يُترجم ذلك إلى إعادة توزيع القوات المصرية على طول الحدود بشكل يحمي أمن إسرائيل، ويمنح مصر في الوقت ذاته سيادة حقيقية على أراضيها – أو على الأقل سيادة أكبر مما تملكه الآن.

هذا المقال نشر أولًا بجريدة زا ناشيونال