ما حدث في استاد بورسعيد هو مجزرة تشير الدلائل وشهود العيان ومقاطع الفيديو أنها مدبرة بالفعل، غير أنه من الغباء أن نقف عند تلك الصورة المحدودة المرتبطة بانتقام الداخلية والعسكر من شباب الألتراس، ونغفل المشهد السياسي بمنظوره الأوسع. هنالك ثورة قامت، ونظام لم يسقط، وجيش عريض من القوى التي تدعي دعمها للثورة علنا وتعمل جاهدة على إجهاضها سرا، وهو أمر منطقي، فخيارهم محصور بين التمسك بحصانة السلطة أو القبوع خلف قضبان طرة.

دعونا نستشهد بأحد دروس الثورة الرومانية التي فشلت. فعندما سقط نيكولاي تشاوشسكو وزوجته إيلينا بعد أن تم إعدامهم عام1989. انتقلت السلطة فورا ليد إيون إليسكو، أحد حلفاء تشاوشسكو السابقين، والذي ادعى انتماءه ودعمه للثورة هو ومجموعة ضخمة من المتحولين الذين عملوا بشتى الطرق على إجهاض الثورة الرومانية وحماية رؤسهم من التطاير في حال أن سارت الأمور في مسارها الصحيح.

أيدوا الثورة جميعا واحتفلوا بها مع المحتفلين، وقاموا بتخوين كل من كان يمثل تهديدا لهم (الشباب والطلاب والمثقفون) واتهموهم بإحداث الفوضى الأمنية وتدمير الاقتصاد. ونجحوا بالفعل في إقناع الرأي العام بذلك. إما الأمن والاستقرار، وإما الفوضى، فما كان من جموع الشعب الساذج إلا أن تحول ضد شباب الثورة واستهدفهم اعتداء وقتلا، وأطلق عنان السلطة لمجموعة الفلول على قمتها يفعلون ما يشاؤون، وقد نجحوا بالفعل.

الآن وبعد ثلاثة وعشرين عاما على سقوط تشاوشسكو الطاغية، ماهو حال رومانيا؟ أسفا، أسوأ مما كانت! شعب مازال يرضخ تحت خط الفقر، ونظام يتنافس على لقب الأفسد في العالم، ودولة تعد بين الأكثر طردا للسكان في أوروبا التي لا تخلو شوارعها من متسول روماني هنا أو هناك.

نحن أو الفوضى! هكذا تصلنا الرسالة في مصر اليوم. هكذا تفكر العقلية الأمنية المصرية عسكرا وداخلية وفلول. عقلية قمعية عتيقة تربت على أيدى سفاحي السوفيت قديما، وفساد الأمريكان حديثا في إدارتهم لدولة عجائز كاريكاتورية.

يستنسخون درسا تآمريا من هنا، وآخر من هناك بغية فرض السيطرة على البلاد وتشبثا بالحصانة المدعومة بسلطتهم المتدلية بأقدامها فوق دابة القانون. ذلك القانون الذي لو طبق، لما وجدوا لهم مكانا سوى خلف نفس أسوار سجونهم. غير أنهم عبثا دائما ما يفقدون السياق. فيبدوا أن تلك العبقريات توقفت عقارب ساعاتها الثمينة عند عام 1989، حينما كان الفاكس رجز من عمل الشيطان، ولم يكن للشعب الروماني آنذاك سوى مصدر حكومي واحد للمعلومات نجح في تضليل أمة بكاملها وقلبها على ثورتها بسلاح رعب الفوضى والانهيار الاقتصادي.

لم يكن لهؤلاء المساكين رفاهية وجود التليفونات المحمولة ذات كاميرات الفيديو واليوتيوب والفيسبوك وتويتر، وكل ما يدعم مواقع التواصل الاجتماعي. وهنا لا يجب أن نتحدث فقط عن سرعة توصيل الفكرة وفضح المؤامرات الرخيصة والغبية، بل هناك عنصر هام وفاعل، ألا وهو التوثيق القانوني والتاريخي. ألا يسالون أنفسهم أين سيهربون من كل تلك الوثائق والقرائن المستحيلة الحجب؟

ربما ينقسم الشعب المصري إلى جمهور إليكتروني ذو درجة عالية من الاستقلالية وصاحب قرار في التفريق بين المصادر والانتقاء بينها، وآخر ليس بالقليل مازال يجعل من أذنيه مباول رحبة للإعلام الحكومي مطبوعا ومرئيا ومسموعا. غير أن الكذب دائما مبتور الأرجل، وما تم توثيقه من جرائم وادعاءات ومؤامرات بفضل تكنولوجيا اليوم، حتما سيؤدي لوضع أيا من كان حيث يجب أن ينتهي مآله، مهما طال الزمن، ومهما تأخر التقاء جمهور الفضاء الإليكتروني بجمهور “المواطنين الشرفاء” عبيد الرعب الإعلامي. هي فقط مسالة وقت، غير أن الفاتورة اصبحت عالية، دما ووقتا!

هذا المقال نشر أولاً بجريدة البورصة.