في الحقيقة، هذا المقال هو رسالة. وللأمانة، لم تكن الفكرة من بنات أفكاري؛ بل استلهمتها من صديق عربي-ألماني في شتوتغارت، حثّني على توجيه رسالة إلى شباب أوروبا الذين وقفوا، ولا يزالون يقفون، متضامنين مع الثورات العربية. هذه الثورات ألهمتهم بدورهم لإطلاق حركات «احتلوا» الخاصة بهم، وتأسيس ميادين تحرير في أرجاء القارة الأوروبية. ليس فقط تضامنًا مع شعوبنا في الجنوب، بل تحديًا لأنظمتهم السياسية والاقتصادية الفاسدة والناهبة. وخلال العام الماضي، رأيت عددًا لا يُحصى من الصور من مختلف أنحاء القارة لحركات «احتلوا»، كان كثير منها يرفع لافتات تقول: «التحرير هنا». وقد لامستني هذه المشاهد بعمق، وجعلتني أوافق دون تردد على كتابة هذه الرسالة.

أصدقائي الأعزاء على الضفة الأخرى من البحر المتوسط،

لقد أثّرت فيّ بصدق تقارير تضامنكم مع انتفاضاتنا هنا في العالم العربي. ولأكون صريحًا، لم نكن نعوّل عليها، ولا توقعناها، خاصة في البداية، حين كان قادتكم يتنافسون علنًا في تأييد دكتاتوريينا، حلفائهم التاريخيين. لكن رؤيتنا لكم تخرجون إلى الشوارع دفاعًا عن حقنا في العيش بكرامة، كان لها وقع كبير في نفوسنا.

في خضم العنف والوحشية التي واجهتها ثوراتنا السلمية من أنظمة قمعية، كان مشهد بعضكم، عبر شاشات البث الفضائي، يهتف بالعربية: «الشعب يريد إسقاط النظام» مدعاةً للضحك والدموع معًا. كانت موسيقى لأرواحنا وسط أحلك اللحظات، وأظهرت لنا، بلا شك، أن الإنسان، رغم كل الحواجز المصطنعة، يمكن أن يتوحد حول قيم إنسانية بسيطة وعالمية.

لقد أشعلنا شرارة الثورات في منطقتنا، متحدّين كل منطق وتوقع. قد نظهر في البداية ضعفاء في عالم لا يعترف إلا بالمال والقوة العسكرية، لكننا أثبتنا لأنفسنا، وللعالم، أن المقاومة السلمية، حتى إن ووجهت بالعنف، أقوى بلا منازع.

تونس ومصر وليبيا واليمن نجحوا في الإطاحة بطغاتهم، وإلقائهم في مزبلة التاريخ، حيث ينتمون. وهناك آخرون على الطريق ذاته. لكننا تعلمنا أن إسقاط طاغية لا يعني نهاية الثورة، بل هو مجرد أول خطوة في طريق طويل وشاق.

«عيش، حرية، عدالة اجتماعية» كان الشعار ولا يزال الهدف. هل حققناه؟ من الواضح لا. فإطلاق ثورة ضد الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي ليس بالأمر السهل، لكن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق هذه القيم الثلاث. ليس فقط إزالة مصاص دماء من قمة الدولة، بل توحيد شعب بأكمله لمواجهة الجهل و«الجهل المصنّع» الذي ترسّخ في العقول على مدى أجيال، ولمجابهة بقايا النظام القديم، التي لم تُجتث بعد.

خذوا مصر مثالًا. انتفاضة عظيمة أطاحت بأحد أعتى الطغاة في العالم، رجل كان يحظى بدعم بل وبحب حكوماتكم في الشمال. لكن، هل حقق الناس أهدافهم؟ بالكاد. النضال لا يزال مستمرًا ضد نظام لم يتغير في جوهره. الجيش، المرتعد من احتمال تحقيق عدالة حقيقية، متمسك بالسلطة لسبب بسيط: لأنه يعرف جيدًا أن مكانه الطبيعي هو خلف القضبان.

لن ننسى دماء من قُتلوا أو جُرحوا أو اختُطفوا أو اختفوا أثناء احتجاجهم ونضالهم من أجل حريتنا. نسيانهم سيكون جريمة أكبر. ولن نتخلى عن المقاومة السلمية حتى نحقق العدالة وسيادة القانون والمساواة والحرية لكل من يعيش على هذه الأرض، رجالًا ونساء، من كل الأعراق والمعتقدات. عندها فقط، يمكن اعتبار ثورتنا ناجحة بحق.

إنه طريق طويل ومرهق لنيل أبسط الحقوق الإنسانية. أعترف بأنني كنت خائفًا في ميدان التحرير — بل مرعوبًا في أحيان كثيرة. أتذكر إصابتي بطلق مطاطي في البطن خلال مذبحة محمد محمود الشهيرة، التي شهدتها من بدايتها حتى نهايتها. لحسن الحظ، أُطلقت الرصاصة من مسافة بعيدة فلم تُصِبني بضرر. كما أتذكر أول مرة تعرّضت فيها للغاز المسيل للدموع، شعرت أنني سأختنق حتى الموت. ثم جاء غاز «مجهول الهوية»، أشد رعبًا، يسلبك القدرة على التنفس تمامًا.

ورغم كل ذلك، صمدنا. وتعلمنا. وطورنا أساليب التكيّف مع هذه الهجمات لنظل صامدين في الميدان.

وبالرجوع إلى تلك اللحظات، أجد أن كل ما سبق لم يكن مرعبًا بقدر ما بدا وقتها. السلاح الأخطر الذي نواجهه ليس الرصاص أو الغاز، بل الجهل الذي فُرض علينا لعقود. لا تزال بقايا النظام القديم تعمل عبر الجيش والثروة والإعلام الحكومي والخاص لخداع شرائح ضعيفة من الشعب لحساب مصالحها.

لكن لا تقلقوا. إنها معركة مستمرة، وسننتصر فيها يومًا ما، بلا شك. لماذا؟ لأننا نقول في العربية: «الكدب مالوش رجلين». هم كذّابون، والحق دومًا ينتصر.

لكن الثمن باهظ. يُدفع دمًا، ووقتًا ضائعًا، وأحلامًا مؤجلة. هذا التأخير يمنح القوى المظلمة — التي تستغل الحريات التي جلبناها بدمائنا — فرصة لاختطاف الثورة لصالحها.

قد يبدو في بعض الأوقات أنهم ينجحون. لكن تأكدوا أنهم لن يفلحوا. نحن يقظون، ونتعلم من تجاربنا السابقة.

أصدقائي الأعزاء على ضفاف البحر الذي تشاركناه لآلاف السنين،

قبل أن أُنهي رسالتي، أود أن أقول إن تضامنكم ودعمكم الأخلاقي لنا في شوارع أوروبا كان ولا يزال ذا قيمة عظيمة بالنسبة لنا. كل يوم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، نتابع نضالكم المستمر من أجل العدالة والمساواة. وقد تظنون أن تضامنكم معنا مجرد موقف أخلاقي. لكنه أكثر من ذلك بكثير.

تضامنكم يفضح حكوماتكم الفاسدة ويُحرجها، ويضغط من أجل مستقبل أفضل لنا ولكم. هذه هي الحكومات نفسها التي دعمت — ولا تزال — طغاة العرب مقابل النفط ووهم «الاستقرار» وخوفها من المجهول. ذلك المجهول ليس سوى احتمال أن يتمكن الناس العاديون من تقرير مصيرهم بأنفسهم.

لقد فهمنا اليوم أن «العداء» الذي شعر به كثيرون منا تجاه الغرب لم يكن موجهًا للشعوب، بل لحكومات الغرب. لم يكن تجاهكم، أصدقاؤنا الأعزاء.

لا نريد معونات أو دعمًا ماليًا منكم أو من حكوماتكم. فمثل هذه المساعدات لم تجلب لمنطقتنا إلا الخراب والظلم والفساد. منطقتنا غنية بالموارد، لكن حكوماتكم أفقرت شعوبها بسياسات استغلالية وقصيرة النظر. وهذه السياسات لا تضرنا فقط، بل تضرّكم أنتم أيضًا — شباب أوروبا التي شاخت أخلاقيًا.

واصلوا النضال من أجل حسن استخدام ضرائبكم. طالبوا حكوماتكم بوقف تمويل الطغاة في منطقتنا. احموا دول الرفاه والحريات والمحاسبة التي كافح أجدادكم لتحقيقها. لا تسمحوا لنخب اليوم بتدمير الحقوق الأساسية التي ناضلت أجيال سابقة من أجلها. حاربوا من أجل العدالة والشفافية، داخليًا وفي علاقاتكم مع الدول الأخرى. في النهاية، أنتم — دافعو الضرائب، والعمال — من يدفع الثمن، لا أولئك الجالسون خلف الأبواب المغلقة.

اكسروا تلك الأبواب. أعيدوا بناء أنظمتكم السياسية بما يضمن العدالة والمساواة لكم. لعلنا نصل يومًا ما إلى عالم مسالم يحترم فيه البشر بعضهم البعض ويحبّون بعضهم البعض.

شكرًا لتضامنكم.

لقد وصل صوتكم.

معًا من أجل العدالة والحرية،
ماهر حمود
القاهرة، مصر

أبريل 2012

هذا المقال كتب أولاً بالانجليزية وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.