قد يكون الاكتئاب رد فعل منطقيًّا إزاء المسار الذي يبدو أن الثورة المصرية تتخذه. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة يرفض التنازل عن سلطاته للمدنيين، ويواصل التلاعب بالشعب من خلال شعارات جوفاء لن تُنفذ يومًا. أما الإعلان الدستوري المكمل الأخير، فهو في جوهره انقلاب عسكري على الديمقراطية، ومع ذلك يواصل المجلس الأعلى لعبة الإنكار المعتادة.
أما الإسلاميون، وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين، فقد انخرطوا في صفقات سياسية مع من في السلطة، أي مع المجلس العسكري. لكنها استراتيجية بقاء أُديرت بشكل سيئ، وانتهت بفشل ذريع خلال الأسابيع القليلة الماضية، بعدما قرر المجلس العسكري اللعب منفردًا، لحسابات تخصّ بقاءه هو.
الانتفاضة التي استمرت 18 يومًا بعد 25 يناير، بكل ما بثّته من طوباوية في نفوس الناس ومراقبين دوليين كُثُر، أعطت انطباعًا أوليًا بأن مصر ستدخل فورًا في عملية جادة لبناء ديمقراطية مؤسسية حقيقية بعد الثورة. لكن هذا بوضوح لم يحدث، ولا يبدو أنه سيحدث في المستقبل القريب.
هل نحن الحالمون السذج إذًا؟ ربما. لكن لدينا ما يبرر هذا التفاؤل. لم نسمح لأنفسنا بأن نُحبس في دائرة الحقائق المحبطة، مثل أن المجلس العسكري القوي هو القوة المضادة للثورة، أو أن الثوّار الشباب مشتتون وغير ناضجين سياسيًّا، أو حتى حقيقة أن جماعة الإخوان على استعداد للتحالف مع الشيطان من أجل سلطة حُرموا منها منذ 80 عامًا. هل نسيتم مباركة الإخوان للمجلس العسكري حين كان يسحق الشباب الثائر في مواجهات محمد محمود ومجلس الوزراء؟ نحن لا نتوقف طويلًا عند هذه الوقائع البائسة على الأرض، لأننا ننظر إلى المستقبل. لا القريب، بل المتوسط والبعيد.
هناك ثلاثة عوامل جديدة في مصر ما بعد الثورة لا يجب الاستهانة بها. أولًا، أصبح المصريون لا يمكن إيقافهم حين يتعلق الأمر بالتعبير عن آرائهم، حتى وإن كانت غير واقعية سياسيًّا. هذه عملية تطور سياسي مستمرة، لا يستطيع أحد انتزاعها منهم. لا أحد يستطيع وقف سيل النكات السياسية اليومية التي تؤدي دور دروس مجانية في السياسة للجماهير.
ثانيًا، الإسلاميون الذين قرروا السعي إلى السلطة أولًا وأداروا ظهورهم للثوّار، خسروا الاثنين معًا: السلطة، والثوّار. وُجهت إليهم انتقادات قاسية ومؤلمة من كيانات سياسية عدة، فيما باعهم المجلس العسكري عند أول مفترق طرق. سيحتاجون إلى سنوات لإصلاح هذا الوضع، وبناء استراتيجيات وخطوات جديدة لاستعادة الثقة.
أما العامل الثالث، والأهم، فهو «الشباب في مواجهة الكبار»؛ وهي حقيقة بيولوجية بسيطة ينبغي أن تمنحنا الطمأنينة. كيانات السلطة المتعطشة مثل المجلس العسكري وجماعة الإخوان، باتت هرمَة كتنظيمات وأفراد، وغير قادرة على التواصل مع الشباب الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البلاد، بلغة مفهومة ومشتركة.
البيولوجيا لن تساعدهم على الاستمرار جسديًّا لأكثر من سنوات قليلة، ولن تتمكن أحدث تطورات الطب في العالم من تمكينهم من الصمود في وجه الشباب، أو في وجه ما يمكن وصفه بوعي الثورة. نحن نؤمن بمن لم يتلوثوا بثلاثة عقود من العبث السياسي.
انظر عن كثب إلى النشاط الطلابي في الجامعات المصرية؛ لديهم قوة ولا يساومون. ولا يتوقف الأمر عند أبواب الجامعات. فطلاب المرحلة الثانوية أيضًا يعبّرون عن آرائهم، كما يظهر في عدد لا بأس به من التظاهرات. حتى طلاب المدارس الابتدائية يرددون هتاف «الشعب يريد إسقاط الناظر» كلما شعروا بالغضب من سعر أكياس البطاطس أو إعادة جدولة الحصص. أشعر بالأسف فعلًا لحكومات مصر المقبلة: ما حدث في وجدان هذا الجيل من الشباب لا يمكن التراجع عنه.
هكذا يرى السذج المتفائلون مستقبل مصر. هو فقط صراع مستمر لتسريع الوصول إلى المستقبل الذي نحلم به.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.