كان يوم الجمعة يومًا تاريخيًا. رئيس مدني منتخب أدى القسم على منصة في ميدان التحرير. ربما لم يكن التحرير موقعًا حصريًا مثل جامعة القاهرة أو المحكمة الدستورية، بل إنه حتى تحت شرفة الجيران يمكن أن يُعد منصة لأداء اليمين، في ظل الوضع القانوني والسياسي المعقّد الذي تمر به مصر حاليًا. لكن يظل لميدان التحرير رمزيته الخاصة.
اللغة التي استخدمها رئيس مصر الجديد محمد مرسي كانت تصعيدًا في حد ذاتها. فقد وعد ببطولة بتحقيق كل مطالب الثورة تقريبًا. وتوّج نفسه، بلغة شعرية، كقائد شرعي للثورة، وقد فعل ذلك ببراعة. لكن، هل يدرك مرسي، ذلك المرشح الرئاسي الذي لم يُحسب له حساب بالأمس، ما الذي اختار أن يخوضه؟
من المحتمل أنه يدرك. فهو أستاذ جامعي سابق، وسجين سياسي سابق أيضًا، وهي مؤهلات كافية ليُدرك خطورة الخيارات التي اتخذها. مرسي، في خطابه يوم الجمعة، الذي لم يُوجّه حصريًا للأغلبية الإسلامية المتواجدة في التحرير، أعلن حربًا باردة، ليس فقط ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بل أيضًا ضد البنية الجامدة لجماعة الإخوان المسلمين ذاتها.
خطاب مرسي أوضح أنه اصطف إلى جانب الثوار وأغلبية المصريين، وهو موقف مناهض للمجلس العسكري بحكم الأمر الواقع. علينا أن ندرك أن كل وعوده، من كونه رئيسًا يمتلك قراره، وصولًا إلى إطلاق سراح المدنيين المحبوسين في السجون العسكرية، كلها وعود من شأنها أن تنتزع من المجلس العسكري صلاحيات منحها لنفسه.
لا شك أن أمام مرسي معركة طويلة وشاقة، فالمجلس العسكري هو من يمتلك السلاح. ومع ذلك، فإن قراره بالانحياز إلى الشعب كان ذكيًا، إذ يمكن أن يوفر له الشعب الدرع الوافي الذي يطمح إليه. في المقابل، فإن الانحياز إلى المجلس العسكري في الشهور الماضية أثبت فشله، إذ اعتاد المجلس أن يتخلى عن حلفائه بمجرد فقدانهم لدعم الشارع.
قضية مرسي في مواجهة المجلس العسكري ليست سوى تأكيد للبديهي. أما النتيجة الأهم لخطابه، فهي الإشارة إلى احتمال حدوث اهتزاز داخلي في بنيان جماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة ذات الهيكل الجامد التي يترأسها «المرشد» محمد بديع، الذي يُفترض أنه مرشد مرسي أيضًا.
تصريحات مرسي ووعوده يوم الجمعة جاءت بوضوح على خلاف ما نعرفه عن طبيعة جماعة الإخوان وتكتيكاتها غير التصادمية المعروفة. تنفيذ هذه الوعود لن يتم إلا عبر مسار معارض للمجلس العسكري – وهو مسار قد لا يحظى بموافقة المرشد.
فكرة وجود مرشد في الثقافة المصرية، حتى لدى الأغلبية المتدينة، غير مرحب بها. المصريون صُدموا بما يكفي من النموذج الإيراني ليرفضوه. وهنا تظهر التعقيدات التي أحدثها مرسي بانحيازه إلى الشعب. لقد اصطف فعليًا ضد مرشده وصديقه – أو على الأقل صديقه حتى الآن. وسيكون من المثير متابعة كيف ستُحل هذه المعضلة داخليًا بين الإخوان.
الآن قد يكون مرسي يقاتل على جبهتين: ضد المجلس العسكري، وضد الجماعة. وسيكون في أمسّ الحاجة إلى دعم الشعب والثوار الفاعلين ذوي الفكر الاستراتيجي. من الصعب التنبؤ بكيفية سير هذه الحرب الباردة المعقدة متعددة الطبقات، في ظل المشهد السياسي الفوضوي في مصر. ومع ذلك، إذا انتصر، فلن يسمح له أحد بأن يتحول إلى فرعون إسلامي أو فارس عربي تقليدي. لحسن الحظ، أوضحت الثورة أمرًا جليًا: مصر لن تسمح لأحد أن يحكمها لأكثر من ثماني سنوات.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.