النصيحة الموجّهة للنساء بضرورة تغطية أجسادهن لحماية أنفسهن من رجال تملؤهم الشهوة متاحة بسهولة فى هذا الجزء من العالم – أحيانًا تُقال بشكل غير مباشر، وغالبًا ما تُقابل بالرفض والمواجهة. أحيانًا تربح النقاش وأحيانًا تخسره. والربح أو الخسارة هنا يعتمد على السياق الاجتماعى والثقافى. إلا أن الأمر يصبح أكثر جدلية عندما تُطرح مسألة التغطية بشكل صريح كحل للتحرش الجنسى – الذى أفضّل تسميته «عنفًا جنسيًا» – فهذه الظاهرة فى مصر تجاوزت ما يمكن أن نطلق عليه لفظ «تحرش».

المرأة دائمًا هى من تُلقى عليها اللائمة على كل ما يحدث لها، فى كل الثقافات والأديان تقريبًا. بالطبع! ولم لا؟ أليست معظم أديان العالم يفسّرها الرجال؟!

الحل المباشر المتمثل فى «تغطى نفسك»، والذى يُقدَّم وجها لوجه، يمكن أن يكون له أثر غريب على المُتلقي. فى بعض الظروف، يمكن أن يصرف الانتباه عن القضية الأصلية للعنف الجنسى ضد النساء، ويحول تركيز المتلقى نحو المتحدث نفسه. ما نوع الحياة والخلفية التى تجعل شخصًا ما يؤمن بمثل هذا الطرح؟ من المهم أن نفهم ونحلل هذا الشخص، وما مرّ به من تجارب شكلت هذا الحل الواضح والواثق فى ذهنه.

آخر نقاش خضته حول العنف الجنسى كان على صفحتى على فيسبوك، بعدما شاركت منشورًا يتضمن بعض النصائح للنساء حول كيفية الدفاع عن أنفسهن جسديًا إذا تعرضن لهجوم فى الشارع.

كانت التعليقات وردود الفعل عادية، تتراوح بين الإعجاب والرفض. لم يُطرح شيء جديد يذكر، وكل شيء بدا جيدًا ومُثريًا، حتى علّق صديق قديم لم أره منذ أكثر من عشر سنوات، كنت دائمًا أعتبره شخصًا مثقفًا ومعتدلًا ليبراليًا. كتب على منشورى باختصار وثقة: «الحل بسيط جدًا: غطى نفسك».

هنا أصبح النقاش أكثر إثارة، وبدأ الناس يسردون أسبابًا توضح لماذا يُعد هذا الحل غير عادل. اقترب البعض من المسألة من زاوية الحقوق الشخصية، وآخرون من زاوية دينية. استُشهد بمفاهيم متفق عليها مثل الحرية والخصوصية، كما ذُكرت آيات قرآنية تُبرز أن الإسلام يضمن أمان الناس، وتطرّق البعض إلى ما يُعرف فى الأحاديث النبوية بـ«حق الطريق»، الذى يُحذر من انتهاك خصوصية الآخرين. العديد من التعليقات كانت مدروسة ومتنوعة ومثيرة للاهتمام، وقدّمها الناس بلطف لصديقى القديم.

لكن، للأسف، لم يؤثر ذلك فيه كما كان مأمولًا. بل أصبح أكثر عدوانية، وبدأ يهاجم من يختلفون معه. دون أن أذكر الإهانات، إليك أحد أفكاره: «المشكلة فى مصر ببساطة أن فى عدد كبير من البنات ماشين فى الشارع نص كم […] بيستفزوا الأولاد اللى عندهم كبت جنسى. الشباب دول بيتجننوا بسهولة لدرجة إنهم حتى لو شافوا واحدة لابسة كويس، ممكن يتحرشوا بيها. زى ما بيقولوا، ما تطلبيش اهتمام لو مش قادرة تتعاملى معاه».

صديقى القديم ادعى أن الخطأ يقع على النساء لأن الرجال يعانون من الحرمان الجنسى. الخطأ فى النساء، لأن هناك رجالًا لديهم رغبات حيوانية تجعلهم جائعين لأجساد النساء. هو خطؤهن: عليهن فقط أن يتغطين. فالحيوانات تظل حيوانات، فماذا بوسعنا أن نفعل؟!

وما هو أكثر إثارة للتساؤل والتفكير فى الفروق الثقافية والخلفيات، أن هذا الصديق ليس رجلًا جاهلًا أو أُميًا يعيش فى قرية نائية فى مصر. الشخص المعنى، والذى كان صديقى قبل أن ينفجر هذا النقاش، هو رجل مصرى أمريكى متعلم جيدًا، ويعيش فى نيويورك.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.