رغم أن مصر تشتهر بتاريخها العريق والموثق جيدًا، إلا أن دروس المؤرخين نادرًا ما تتجاوز الدوائر الأكاديمية الضيقة. والساسة هم دون شك أفضل مثال على من يفشلون فى التعلم من الماضى.

يمكن مقارنة الوضع فى مصر بعد فوز مرسي فى الانتخابات – الذى يُعد حتى الآن إنجازه السياسى الوحيد – ببداية عهد محمد علي باشا (1805 – 1848). بالتأكيد هناك اختلافات جوهرية – وقد يشير البعض، محقين، إلى أن المصريين لم يكن لديهم «فيسبوك» آنذاك، وهو أمر صحيح. لكن دعونا نلقِ نظرة على لمحة من مصر عام 1805 ونرى كيف كان الوضع وقتها.

لماذا قال المؤرخ البارز فى تلك الحقبة، عبد الرحمن الجبرتى (1754 – 1822)، عن محمد علي: «لو رزقه الله بعدله قدر ما رزقه إصراره وقيادته ومروءته ودهائه وصبره، لكان أعجوبة الزمان»؟

فى ذلك الوقت، كانت هناك ثورة قائمة فى مصر ضد الولاة الذين كانت ترسلهم الدولة العثمانية من إسطنبول، وذلك بعد رحيل الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت فى عام 1801، عقب خسائر فادحة خلال ثلاث سنوات من الاحتلال.

ولأول مرة فى تاريخ الدولة العثمانية، يُختار والٍ – محمد علي – ويُفرض على العرش بإرادة شعبية، ضد رغبة السلطنة. لكن تلك لم تكن سوى بداية لتحديات أكبر.

تسلم الوالي الجديد مقاليد الحكم فى بلد منهار اقتصاديًا، يعاني من فقر مدقع ومجاعة، وأسواق عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للناس.

كانت الميليشيات المملوكية – بقايا دولة سابقة – منتشرة فى أرجاء البلاد، تثير الفوضى وتطالب باستعادة سلطتها.

منذ البداية، رأت الدولة العثمانية في علي عدوًا، لكنها قررت تجنب المواجهة المباشرة – وهو ما أدركه الوالي الجديد جيدًا.

فى الوقت نفسه، كانت بريطانيا تسعى بكل جهدها لاحتلال مصر واستخدامها كقاعدة لمحاربة الدولة العثمانية، عدو أوروبا الأول آنذاك.

أما النخبة الدينية، وعلى رأسها عمر مكرم، والتى ساعدت على حشد الناس للإصرار على تعيين علي، فكانت ترى أنها تملك سلطة عليه، وتؤمن بأنها، بما أنها جاءت به، يمكنها عزله فى أى وقت.

بالمجمل، واجه الوالى الجديد المحاصر خمس تحديات استثنائية على الأقل: اقتصاد منهار، ميليشيات مملوكية، عثمانيون غاضبون، تدخل بريطانى، ونخبة دينية قوية. أليس هذا التجمع القاتل شبيهًا إلى حد ما بالصراع على السلطة فى مصر اليوم – وإن كان أقل دموية، بفارق قرنين من الزمن؟

لقد اختار محمد علي معاركه واحدة تلو الأخرى، وبالوقت الذى يناسبه. ترك الشعب المتحمس يقاتل البريطانيين ويهزمهم (حملة فريزر – 1807). ثم حرّض الناس على عمر مكرم ونفاه (1809). وأعد مجزرة مدروسة بعناية ضد المماليك، حين دعاهم إلى احتفال تحول إلى فخ قضى فيه على نحو ألف من قادتهم وكبارهم فى ليلة واحدة (مذبحة القلعة – 1811). أعاد بناء الاقتصاد بالكامل من خلال حركة تحديث زراعية وصناعية، وفرض التعليم، وسعى إلى التجارة القائمة على الميزة النسبية مع الدول الأخرى. أما العثمانيون، فقد كاد أن يحتل عاصمتهم إسطنبول (1832)، لولا تدخل الروس.

رغم تراجع المشروع نتيجة تحالف دولي ضد هذه القوة العالمية الناشئة، فإن دولة محمد علي امتدت من السودان جنوبًا، إلى الحجاز (حاليًا السعودية) شرقًا، وأجزاء من تركيا واليونان شمالًا. لم تكن دولة علي مجرد قوة عسكرية تسعى للتوسع، بل كانت قوة قائمة على المعرفة والصناعة والزراعة والتجارة – وكلها كانت تحكمها إدارة عامة متقدمة.

لكن هذه ليست العبرة: فالدول القوية نشأت وسقطت عبر التاريخ، وستظل كذلك. المهم هو ما يمكن تعلمه عندما نحاول التعمق فى التفاصيل الدقيقة – لأنها كانت تجربة مصرية غيّرت المستقبل. المشهد الذى تم وصفه هنا لا يطابق مصر عام 2012 تمامًا. فنحن نملك «فيسبوك» الآن، والحمد لله. ولا نعانى من مجاعة فى الوقت الراهن، ولا توجد مؤشرات على قدومها. لكن هناك بالتأكيد دروسًا مستفادة من حيث صراعات القوى.

هذه ليست رسالة إلى الرئيس محمد مرسي، الذى لا يشبه محمد علي إطلاقًا (فمرسي لا هو دموى، ولا هو داهية). إنها رسالة إلى الشعب، وإلى من يهمهم أن تصبح مصر دولة ديمقراطية قائمة على المؤسسات. هناك دائمًا أمل وأحلام، حتى فى أحلك الليالى، طالما هناك سعى دؤوب، وتعلم، والأهم: اختيار المعركة الصحيحة فى الوقت الصحيح.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.