من الناحية النظرية، يمكننا القول إن شهرًا واحدًا أمضاه الرئيس محمد مرسي في منصبه لا يكفى للحكم على أدائه كأول رئيس لمصر بعد الثورة. ولكن من الناحية العملية، يبدو أن الشهر كان كافيًا.
بمراعاة بعض الحقائق المتعلقة بوصول مرسي إلى سدة الرئاسة، يمكننا فهم مشاعر الغضب التى تنتاب قطاعًا من الناخبين، لا سيما أولئك الذين كانوا يحلمون بتغيير حقيقى.
فقد انتُخب مرسي بأصوات مزيج من الناخبين: منهم من آمن بما يمثله سياسيًا ودينيًا، ومنهم من لم يجد أمامه خيارًا سوى التصويت له، فى إطار سعيه لمنع مرشح العسكر، أحمد شفيق، من الوصول إلى السلطة. وربما جاءت غالبية الأصوات التى حصل عليها مرسي من أولئك الذين أرادوا ببساطة تسجيل تحول تاريخى فى المشهد السياسى المصرى من الحكم العسكرى إلى الحكم المدنى، دون أن يكونوا بالضرورة متحمسين لوصول جماعة الإخوان إلى السلطة رسميًا.
يمكننا انتقاد مرسي بشدة على وعوده التى لن تُنفذ. وهناك أمران جديران بالتذكير من الفترة التى تلت فوزه مباشرة. الأول، تأكيده على تنفيذ مشروع النهضة الذى تبنته الجماعة، وخطته المعلنة للمئة يوم، ثم خطابه النارى وقَسَمه أمام الجماهير المحتشدة فى ميدان التحرير – رمز الثورة – والذى وعد فيه بتحقيق معظم مطالب الثورة، وانتزاع صلاحياته كاملة كرئيس.
أما الثانى، فهو كيف قرر الناس فى ذلك اليوم التاريخى، بغض النظر عن خلفياتهم الأيديولوجية، أن يقفوا إلى جانبه، لدعم أول رئيس مدنى منتخب بحرية فى معركته لنيل صلاحياته.
وقد أدركوا، بنضج، أن هذه المعركة لن تكون فقط ضد المجلس العسكرى أو بقايا نظام مبارك الذين يحاربون من أجل البقاء؛ بل ستكون أيضًا ضد البنية الغامضة لجماعة الإخوان نفسها، وضد فكرة وجود «مرشد» غير منتخب، لا يُحاسب، يتخفى فى الظلال، ويملى على البلاد أجندتها السياسية.
وبفضل وعوده الواضحة والصريحة، بدا مرسي وكأنه رجل صاحب قرار مستقل. لكن، للأسف، أظهر الشهر الماضى بالفعل أنه عاجز عن تلبية أى من تطلعات الشعب – بل حتى تطلعاته الشخصية بشأن ما يمكنه تحقيقه.
لقد كان من المقلق رؤية الرئيس مرسي يحضر حفلات تخرج الكليات العسكرية بشكل شبه يومى، فى وقت كانت فيه حالة من الفوضى السياسية وفراغ السلطة تهز ثقة الناس برئيسهم الجديد. ويبدو أن صلاحياته المجمدة قد حالت دون اتخاذه أى قرارات جوهرية تُحدث تغييرًا فى المشهد السياسى أو الإدارى فى البلاد.
وبدلًا من ذلك، أطلق مشروعًا أشبه بمبادرات منظمات المجتمع المدنى، تحت اسم «وطن نظيف»، شارك فيه شباب الجماعة وبعض المجموعات الدينية الأخرى، فى محاولة تجميلية للحفاظ على صورة الرئيس. ولسوء الحظ، بدا أنهم نسوا أن أهداف هذا المشروع «اللطيف» هى فى الأساس من صميم مهام الحكومة التى تعمل بكفاءة، وهى المهام التى فشل حتى الآن فى الوفاء بها.
ما اختيار رئيس الوزراء وتشكيلة الحكومة، فكان مسألة أخرى أرسلت إشارات قوية على عجز مرسي عن الوفاء بوعوده كرئيس. ومع كل الاحترام لهشام قنديل وحكومته التى شُكلت مؤخرًا، أعتقد أن من ضحوا بأرواحهم وأبصارهم بالآلاف، لم يفعلوا ذلك من أجل أن ينتهى الأمر بحكومة من موظفين بيروقراطيين بلا حول ولا قوة.
كل هذا يعزز تمامًا نوع الخوف الذى يساور كثيرين تجاه جماعة الإخوان ككيان سياسى يميل إلى التسويات، وعاجز عن قيادة التغيير، بسبب حرصه على حماية المكاسب السياسية التى حصل عليها.
نعم، هو شهر واحد فقط. لكن ما يمكن ملاحظته من هذه الفترة القصيرة فى «السلطة» يشير إلى أن مرور عام كامل لن يُحدث فرقًا كبيرًا. ببساطة، لقد أثبت مرسي للناس أنه «أخ طيب»، أخ طيب جدًا.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.