أثناء عودتي إلى المنزل في سيارة أجرة مساء أحد الأيام الأسبوع الماضي، كانت شاحنة صغيرة تسير أمامنا، ممتلئة بخمسة أو أكثر من الشباب في أوائل العشرينات من عمرهم. بدا على المجموعة الحيوية أنهم يتجولون في المدينة بينما يتناولون العشاء في مؤخرة الشاحنة.
فجأة، بعد أن انتهوا من طعامهم، بدأ ركاب الشاحنة في إلقاء القمامة، وكانت كثيرة، مستهدفين المارة بشكل عشوائي على جانبي الطريق وهم يضحكون بهستيريا من شدة المرح.
سائق التاكسي، وهو رجل مسن يبدو عليه الاحترام، غضب بشدة، وظل يردد «سفالة!» مرارًا وتكرارًا. ثم قرر أن يسرع للحاق بالشاحنة، وكأن نيته كانت تأديبهم وتعليمهم درسًا.
كل من في السيارة، بمن فيهم السائق، بدوا متوترين ويبحثون عن شجار، ووجوههم كانت تعبر عن: «عايزين إيه؟» لم يكن الموقف يبشّر بالخير على الإطلاق، خاصة وأنه إذا حدث خطأ ما، فالسائق العجوز الغاضب وأنا كنا قد نتعرض للضرب الشديد، واحتمال تدخل الشرطة كان ضعيفًا.
بلهجة ملؤها التوبيخ، قال السائق للشباب حرفيًا: «ما يصحش ورد زيكم يعمل كده!» (وهي تعبير شائع في مصر).
كانت ردّة فعل المجموعة الفورية أن انقلب مزاجهم بشكل تام، فتحولوا من حالة البذاءة والعدوانية إلى حالة من الأدب الشديد ممزوجة بشعور واضح بالخجل. نظروا جميعًا إلى الرجل العجوز، ووقف بعضهم، ووضعوا أذرعهم على صدورهم مرددين: «حقك علينا يا حاج». ابتسم الرجل وردّ عليهم قائلًا: «ربنا يبارك فيكم»، ثم لوّح بيده مودعًا، ففعلوا مثله.
مشهد بدأ قبيحًا للغاية، لكنه انتهى بنهاية جميلة وغير متوقعة.
في رأيي، هذه اللقطة الصغيرة تمثل مثالًا نموذجيًا يمكن أن يساعدنا في فهم أسباب انتشار الظواهر الاجتماعية السلبية والسلوك المنفلت، خصوصًا عند محاولة فهم عقلية الشباب في المجال العام بعد ثورة يناير.
تأملي في الموقف جعلني أستنتج أن هذا السلوك المتناقض من هذه العينة من الشباب ناتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة. وهذه العوامل مرتبطة ببعضها لأنها أسهمت مجتمعة في تآكل المرجعيات الأخلاقية التي من المفترض أن يقدّمها المجتمع لأجياله الأصغر، أيًا كانت هذه المرجعيات حسب طبيعة كل مجتمع.
ولًا، كان ولا يزال جيل الآباء والأكبر سنًا متواطئًا بالصمت أمام أنظمة فاسدة أقل ما يقال عنها إنها غير أخلاقية. أما المؤسسات الدينية، فانقسمت بين مؤيدة لهذا الفساد أو متدينة سطحيًا. هذا بالإضافة إلى تدني مستوى التعليم في مصر لعقود طويلة، دون وجود أهداف واضحة له. وعلى رأس ذلك، غياب جهاز الشرطة بشكل كبير، أحيانًا متعمد، منذ فشله في قمع الثورة.
كما لا يمكن إغفال العلاقة التي نشأت بين الشباب والثورة، والتي كانوا هم من بدأها وقادها لفترة قصيرة، ثم تم تحميلهم ظلمًا كل مسؤولية ما حدث بعدها.
أتذكر أنه بعد تنحي مبارك، ولمدة شهرين تقريبًا، انتشر تعبير شائع كان يقال للتعليق على أي سلوك خاطئ: «عيب، بعد الثورة!»
الثورة نفسها أصبحت المرجعية الأخلاقية للشباب، تعويضًا عن غياب باقي المرجعيات التقليدية. لكن هذا الارتباط تم قتله عمدًا منذ البداية.
الإعلام الرسمي والمعادي للثورة، الممول من رجال الأعمال الفاسدين، تم توظيفه ببراعة من قِبَل المجلس العسكري، وفلول نظام مبارك، وهؤلاء رجال الأعمال أنفسهم، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية الساعية للسلطة. وقد نجحوا معًا في شيطنة الشباب، وتحميلهم كل ما آلت إليه الأوضاع بعد النجاح الأولي المعجِز للثورة. وسمعنا مرارًا: «دول شوية عيال ما عندهمش أخلاق، وبيخربوا البلد». ولم يكن غريبًا أن يصدق البعض هذه الصورة المشوهة ويتحول بالفعل إلى شباب فوضوي.
فلنعد إلى قصتنا، وإلى مغزى ردّ فعل السائق الحكيم أمام مجموعة الشباب الفوضوي. لقد مثّل هذا الرجل ببساطة ما جُرِّد منه هؤلاء الشباب بعد الثورة. بخلاف مواقف كثيرة لأبناء جيله، فإن هذا الرجل عامل الشباب باحترام، وقدّم لهم مرجعية أخلاقية. وبفضل تدخله، تحوّل سلوكهم من البذاءة إلى الاحترام، ومن الإنفلات إلى الرغبة في تحمّل المسؤولية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.