مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية بعد بضعة أشهر، باتت أنباء تشكيل تحالفات سياسية جديدة حدثاً أسبوعياً شبه منتظم. وفي معظم الحالات، تبدو هذه التحالفات مدفوعة بشعور مناهض لأسلمة الدولة أكثر من كونها مستندة إلى أجندة سياسية واقعية يمكن أن تجذب المواطن العادي، الذي لم يشعر حتى الآن بأي تغيير في حياته اليومية، رغم كل ما حملته ثورة يناير من آمال وتضحيات.
في يوم الثلاثاء، أعلن المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح عن تحالفه الجديد، الذي حمل اسم «التيار المصري العام»، والذي يضم أحزاب الوسط والعدالة والحضارة، إلى جانب عدد من منظمات المجتمع المدني.
وفي اليوم نفسه، أعلن المرشح الرئاسي السابق عمرو موسى، رئيس تحالف «الأمة المصرية»، انضمام حزب جديد إلى تحالفه، هو حزب الوحدة، الذي يترأسه السياسي المؤيد للمؤسسة العسكرية والمثير للجدل مصطفى بكري.
أما «الطريق الثالث» فهو تحالف آخر، أُعلن عنه منذ فترة أطول قليلاً، وتم تشكيله تحديداً كرد فعل على تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين – ومن المرجّح أنه لن يكون الأخير.
لا بد من الإقرار بأن جماعة الإخوان المسلمين، وجناحها السياسي حزب الحرية والعدالة، وصلوا إلى السلطة نتيجة عملية ديمقراطية، يمكن وصفها – في الحد الأدنى – بأنها الأفضل خلال الستين عاماً الماضية أو أكثر.
بطبيعة الحال، لم تكن هذه النتيجة ما كان يتطلع إليه الثوار، خصوصاً في ظل الاستغلال الواضح للدين في السياسة بهدف التأثير على الناخب العادي. لكن فلنكن واقعيين، ولنطرح على أنفسنا سؤالين اثنين.
أولاً، ماذا كان سيحدث لو جرت الانتخابات الأخيرة بطريقة مثالية، كما تنص الكتب؟ أتصور أن النتيجة كانت ستبقى إلى حد كبير كما هي، مع انخفاض طفيف في عدد الأصوات التي حصل عليها حزب الحرية والعدالة، وتوزيعها على بعض الأحزاب الأخرى. لقد فاز الإخوان لأنهم استغلوا بشكل مثالي ما لديهم من تنظيم محكم، ورصيد اجتماعي، ثم الدين لاحقاً. بالطبع، كان غياب المنافسة الحقيقية عاملاً إضافياً بالغ التأثير.
السؤال الثاني، الافتراضي، هو: ماذا كان سيحدث لو أن التيارات العلمانية تمكنت من الفوز؟
الأرجح أننا كنا سنشهد موجة من «علمنة» الدولة. وكان الشيء نفسه سيحدث مع الليبراليين أو الاشتراكيين. لذا، وبمنطق عملي، لماذا كل هذا الاستغراب من موجة «أخونة» الدولة الراهنة؟
السعي للهيمنة على مؤسسات الدولة أمر يحدث حتى في أكثر الديمقراطيات تقدماً. هذه هي السياسة، ويجب أن نتعامل معها بنضج. انظر إلى الأحزاب المسيحية في أوروبا.
لكن في مصر، الأمر أكثر خطورة بقليل، نظراً لأن مؤسسات الدولة ليست قوية أو مستقلة بما يكفي لتقوم بدور رقابي فعال على تمدد المجموعة المهيمنة داخل مفاصل الدولة.
وهنا تحديداً يجب أن يكون دور التحالفات. ففي هذه اللحظة الحرجة من مراحل ما بعد الثورة، ينبغي أن يكون الصراع من أجل خلق معارضة حقيقية وجادة، قادرة على طرح قضايا مثل استقلال مؤسسات الدولة، وكتابة الدستور، والعدالة الاجتماعية. وللأمانة، فإن العدالة الاجتماعية هي المطلب الوحيد الذي يهتم به المواطن العادي ويفهمه.
من شاركوا في الثورة أو ذهبوا إلى صناديق الاقتراع، سئموا من النخبة السياسية العلمانية التي تكتفي بالبكاء على شاشات التلفزيون، وتعقد المؤتمرات الصحفية في فنادق الخمس نجوم، بينما لا يتجاوز تأثيرها دائرة ضيقة من المتابعين على تويتر أو فيسبوك.
هوس التحالفات السياسي الراهن لا يعدو كونه امتداداً لنفس الاستراتيجيات التي أدّت بالبلاد إلى هذا الاختلال السياسي. ما نحتاجه فعلاً هو تحالفات شعبية حقيقية، تخاطب قواعد المجتمع الدنيا، وتنطق بمطالبهم، وتتكلم بلغتهم. لا نحتاج إلى المزيد من لقطات الفيديو المملة لحفلات العشاء الفاخرة والخطابات الفارغة. لكن، وللأسف، لن يحدث هذا إلا إذا جرى التخلي عن الكبرياء الشخصي والأنانية السياسية، لصالح التوافق حول المطالب الأساسية التي قامت الثورة من أجلها، ولم تتحقق حتى الآن: العيش، والحرية، والعدالة الاجتماعية.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.