د مباشر وبسيط من بعض غير المسلمين في سياقات مختلفة، لم يدركوا حجم الغضب الذي عمّ العالم الإسلامي بسبب الفيلم المسيء «براءة المسلمين».
بساطة هذا التعليق تعكس إيمانًا عميقًا بمفهوم حرية التعبير، الذي تطوّر فيما يُعرف بالعالم الغربي بعد نضال طويل لتحقيقه.
هذا الفيلم المسيء، الجاهل، والضعيف إنتاجيًا، الذي يهاجم النبي محمد، يملك كل الأسباب التي تجعل غالبية المسلمين يشعرون بالغضب والإهانة. حتى أولئك الذين قد يُوصَفون بأنهم مسلمون ليبراليون شعروا بالغضب أيضًا.
الشعور بالغضب تجاه دعاية رخيصة مهينة ومضللة كهذه، هو أمر يمكن فهمه تمامًا في رأيي. لكن القضية تتعلق بكيفية التعبير عن هذا الغضب. فقد أظهر المسلمون، بطريقة أو بأخرى، فشلًا كبيرًا في التعبير والتعامل مع رفضهم للإهانة التي وُجِّهت لنبيّهم.
دعونا نبتعد قليلًا عن التفاصيل ونركّز على ما تسرّب من مكالمة هاتفية بين الرئيسين محمد مرسي وباراك أوباما، والتي جرت عقب اندلاع اشتباكات بين محتجين حاولوا اقتحام السفارة الأمريكية في القاهرة، وقوات الشرطة المصرية التي كانت تحاول حمايتها.
ووفقًا لما نُشر، إذا كانت التسريبات دقيقة، فقد أدان أوباما الفيلم وأعرب بوضوح عن رفضه لما ورد فيه. بينما عبّر مرسي خلال المكالمة عن انزعاجه من سماح الولايات المتحدة بعرض الفيلم من الأساس.
هذا الحوار الدبلوماسي المفترض بين رئيسين يتفقان على إدانة الهجوم على السفارة الأمريكية، يُظهر في الوقت نفسه فرقًا ثقافيًا كبيرًا. فأقصى ما كان يمكن لأوباما فعله هو إدانة الفيلم، أما مرسي فكان يعتقد أن الولايات المتحدة كان يجب أن تمنع عرضه.
هذا الخلاف الصغير في مكالمة هاتفية يُظهر كيف أن الفجوة بين المجتمعين يمكن أن تكون أعمق بكثير كلما اقتربنا من جذور كلا المجتمعين.
من جهة، هناك مجتمع أمريكي أو غربي ناضل طويلًا من أجل الوصول إلى قيمة ثمينة للغاية، وهي حرية التعبير. ومن الجهة الأخرى، عالم مسلم يغلي بحبّه لنبيّه، الذي لا يمكن، وفقًا للتعاليم الإسلامية الأساسية، القبول بإهانته.
ما يزيد من تعقيد الأمر لدى المسلمين أنهم لا يستطيعون الرد بالمثل بإهانة السيد المسيح، على سبيل المثال، لأن جميع الأنبياء جزء من عقيدتهم، ويجب الإيمان بهم جميعًا.
من الملاحظ خلال الاشتباكات التي دارت حول السفارة الأمريكية أن أغلب المتظاهرين لم يذهبوا للصلاة في المسجد عند رفع الأذان، وهو ما تكرر خمس مرات في اليوم، وعلى مدار يومين. وهو مؤشر على أن حتى المسلمين غير الملتزمين دينيًا كانوا في غاية الغضب من الفيلم المسيء.
يرى بعض المحللين السياسيين أن ما حدث كان مدبّرًا من كلا الطرفين. جماعات محافظة معادية للإسلام في الولايات المتحدة موّلت إنتاج الفيلم وسهّلت عرضه يوم 11 سبتمبر لإثارة موجة جديدة من الإسلاموفوبيا، يستغلونها لحصد أصوات انتخابية.
ومن ناحية أخرى، أراد الإسلاميون المتشددون، الذين لا يستطيعون منافسة جماعة الإخوان المسلمين «المعتدلة» بعد صعودها للسلطة، أن يتصدروا المشهد ولو مرة واحدة، بجلب الجماهير إلى الشارع.
لكن، حتى لو افترضنا عدم وجود هذين العنصرين (المحافظين الأمريكيين والإسلاميين المتشددين)، فإن المسلمين في مختلف أنحاء العالم كانوا سيعبّرون عن غضب كبير. ببساطة، لا يمكنك أن تُهين نبيهم، بل ولا أي نبي. فمثلًا، فيلم «شيفرة دافنشي»، الذي يُسيء للمسيح، تم حظره في مصر.
هذه نظرة تشاؤمية لصدام في التواصل بين حضارتين مختلفتين. لا يمكن محاربة حرية التعبير التي اكتُسبت في الغرب، ولا يستطيع أحدٌ يفكّر بمنطق أن يرفضها.
وفي المقابل، حتى لو كان العالم الإسلامي أمة متناغمة، مسالمة، ومستنيرة، وهو أمر غير متحقق حتى في أكثر الدول الغربية تقدمًا، فإن الغضب سيظلّ يُعبَّر عنه إذا ما أُهين النبي محمد أو الله.
أفضل ما يمكن أن نأمله في هذا الصدام القيمي، لتجنّب تحوّله إلى صدام حضارات، هو أن يعمل الجانبان على احترام معتقدات الآخر، وأن تظل المواجهة في إطار الجدل الفكري وإنتاج الفنون. ورغم أن هذا هو السيناريو الأكثر تفاؤلًا الذي يمكننا السعي نحوه، فإنه يظل هدفًا بالغ الصعوبة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.