تتنافس حاليًا أربع جهات للسيطرة على الإعلام. جماعة الإخوان المسلمين، التي تمسك بزمام السلطة حاليًا عبر واجهتها السياسية حزب الحرية والعدالة؛ وفلول نظام مبارك، المدعومون ماليًا وإعلاميًا من نخبة رجال الأعمال؛ والمؤسسة العسكرية، التي ما زالت حتى الآن غير منفصلة عن بقايا النظام القديم؛ وأخيرًا الكتلة الواسعة غير النشطة من المجتمع المصري، التي سنطلق عليها اسم «حزب الكنبة».

ثم نأتي إلى السبب.

لأسباب منطقية تمامًا، لا تحب أي سلطة حاكمة الإعلام، حتى في أكثر الديمقراطيات تقدمًا. فلماذا تكون جماعة الإخوان المسلمين استثناءً؟ هم ببساطة يوسّعون نفوذهم داخل بنية الدولة والمجتمع، ولا يحتاجون إلى ضجيج إعلامي يثير البلبلة حول ذلك.

فلول نظام مبارك ونخبة رجال الأعمال التابعين له هم، بطبيعتهم، القوة المضادة للثورة. فالحرية، التي كانت أحد المطالب الأساسية للثورة، والشفافية، هما آخر ما يتمنونه. وبالنظر إلى تاريخهم الطويل من الفساد، فإن تحقق هذه المطالب سيعني على الأرجح جرهم إلى ساحات القضاء، أو على الأقل تجريدهم من المناصب الرسمية التي ما زالوا يتمتعون بها. لذلك، فإن الإعلام المستقل هو عدوهم الأول.

من الواضح أيضًا أن الجيش لن يكون سعيدًا أبدًا بوجود إعلام قوي ومستقل وحر. وبالنظر إلى فترة حكمهم المباشر التي استمرت سبعة عشر شهرًا بعد الإطاحة بمبارك، وما ارتُكب خلالها من انتهاكات وجرائم ضد حقوق الإنسان، فلا شك أنهم لا يريدون إعلامًا صاخبًا يطالب بمحاسبتهم. ولا ننسى أيضًا القوة الاقتصادية التي يمتلكونها منذ ستين عامًا. إذ إن الإعلام الاستقصائي النزيه والشفاف سيكون غير مرغوب فيه تمامًا.

أما «حزب الكنبة»، وعلى عكس الأطراف المذكورة سابقًا، فليس له مصلحة مباشرة في السيطرة على الإعلام. لكنه يرى في الإعلام مصدرًا يوميًا للألم غير الضروري، ويودّ التخلص منه. فالإعلام يذكره بحالة اللامبالاة الأخلاقية التي يعيشها. وفهم هذا السلوك النفسي المعقد يساعد على تفسير سبب كون خالتك، التي لا تشاهد إلا المسلسلات التركية ولا تقرأ الصحف، تلعن الإعلام ليل نهار.

دعونا نُلق نظرة سريعة على إسبانيا بعد فرانكو والتغيير الديمقراطي الذي بدأ بعد وفاته عام 1975. كانت البلاد تمرّ بفترة سياسية مضطربة، حيث تتصارع القوى المختلفة على إقامة دولة حديثة وديمقراطية، دون تصور واضح لماهية هذه الدولة. وفي المقابل، كانت «فلول» فرانكو وقطاع من المجتمع الحنين إلى الماضي (حزب الكنبة الإسباني) يقاومون هذا التغيير بكل قوتهم وبلا منطق.

إلى جانب النشطاء السياسيين والحركات العمالية الواسعة، لعب الإعلام دورًا محوريًا في مساعدة البلاد، التي كانت على شفا حرب أهلية، للوصول إلى برّ الديمقراطية. ربما لم تكن ديمقراطية مثالية، لكنها تظل ديمقراطية في النهاية.

وبحلول عام 1978، وبعد سنوات طويلة من سيطرة الدولة على الصحافة خلال حكم فرانكو، أصبحت إسبانيا تملك ما يقرب من 2000 صحيفة يومية جديدة. بالطبع، أُغلقت الكثير منها لاحقًا، لعدم قدرة السوق على استيعاب هذا العدد، لكنها جميعًا لعبت دورًا جوهريًا في مراقبة وتيسير عملية التحول الديمقراطي الصعبة في البلاد. ويقول بعض الباحثين إنه لولا الاستقلال والحرية التي منحها الإعلام لنفسه، لما تمكنت إسبانيا من بلوغ الديمقراطية، بالنظر إلى فقرها وهشاشتها آنذاك.

وبالنظر إلى التشابه النسبي بين التحول الذي شهدته إسبانيا، وما تمرّ به مصر الآن، فإن وجود إعلام حر ومستقل يعد أمرًا حاسمًا في مسار مصر نحو الديمقراطية، وفي صراعها مع من يسعون لإقصاء الإعلام من معادلة التحول.

الدستور يُطهى حاليًا على أربع شعلات، تصدر حرارتها عن الإخوان، والفلول، والجيش، وحزب الكنبة. وسيكون من السذاجة أن نظن أن أياً من هؤلاء سيضمن للإعلام حريته واستقلاله.

إذا لم يدرك العاملون بالإعلام، والنشطاء السياسيون، وشباب الثورة أن هذه معركة من أجل بقاء هذا القطاع ومن أجل تحقيق مطالب الثورة، فعليهم أن يفكروا جديًا في الاستقالة والبحث عن عمل في مبنى التليفزيون المصري الرسمي.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.