قد أدرك الثوّار بحكمة أنهم خسروا معركة الدستور لصالح جماعة الإخوان المسلمين، ويبدو أنهم يفهمون أنها واحدة فقط من معارك كثيرة قادمة. لكنهم يواصلون إلقاء اللوم على التلاعب فى عملية التصويت، متجاهلين فشلًا أعمق يعانون منه. فالحديث ينصبّ بشكل شبه كامل على الانتهاكات الموثقة جيدًا فى جولتى الاستفتاء، والتى حدثت بالفعل، لكنهم يقفون عند هذا الحد ولا يدخلون فى أى نقد ذاتى جاد.
ببساطة، تُظهر الأرقام أن نحو 64٪ صوتوا بـ«نعم» من أصل 32٪ فقط من إجمالى من لهم حق التصويت. والسؤال الذى يطرح نفسه هنا: لماذا لم يشعر 68٪ من الشعب بالحافز للمشاركة؟
قد يجيب البعض بأن السبب هو ارتفاع معدلات الأمية التى تعانى منها مصر، وهو تفسير له وجاهته، لكنه لا يكفى كمبرر.
الثوّار لا يزالون عاجزين عن إيصال رسالتهم إلى الشارع. ذلك الكيان السياسى الصامت لكنه صاحب الكلمة النهائية فى أى استحقاق انتخابى. وهذا الكيان الصامت يشعر بقوة أن الثورة قد «سُرقت»، كما يقول سائق تاكسى فى نقاش حاد.
ليست بالضرورة سرقةً حقيقية، لكن الواقع يبدو كذلك فى نظر الناس. مرة من قبل العسكر، والآن من قبل الإخوان. وفى وسط هذه التعقيدات السياسية والمراوحات الثورية، لا يرى المواطن العادى أى بوادر تحسن فى حياته، ولا حتى وعدًا واضحًا طويل المدى بتحقيق هذا التحسن.
«الثورة مستمرة!» شعار حقيقي يردده الثوّار، لكن هل يثبتون ذلك؟ للأسف، لا! وهذا ما يربك المواطن العادى ويجعله يشعر بخيبة أمل ويفقد الصلة بالتطورات السياسية الجارية.
مرة أخرى، لماذا لم يذهب 68٪ من السكان للتصويت فى لحظة حرجة تمر بها البلاد؟ الجواب ببساطة: لأنهم فى حالة انفصال. لقد عادوا إلى حالة اللامبالاة التى كانت سائدة فى عهد مبارك. بفضل الأداء البائس والمتشتت للعلاقات العامة الثورية.
من الواضح أن الشعب قد نضج كثيرًا خلال الـ23 شهرًا الماضية. أصبح الآن يفهم ما تقوم به القوى المضادة للثورة، ولديه قدرة نسبية على كشف «المؤامرات» التى تنسجها أطراف مختلفة. فلماذا لا يساعد ذلك؟ على ما يبدو، فقد المواطن العادى ثقته فى الثورة والثوار. وهذا ليس نهاية العالم، فالثقة تأتى وتذهب. لكنه مجددًا يعكس الواقع البائس لتفكك القوى الثورية وعدم وضوح خطابها.
ما الرسالة التى قد تصل إلى مواطن مصرى بسيط، يؤمن بالثورة، عندما يرى ما يُسمى بـ«جبهة الإنقاذ الوطنى» برئاسة محمد البرادعى تعقد مؤتمرات صحفية يشارك فيها رموز واضحة من نظام مبارك (الفلول)، وتزعم أنها تحالف براغماتى ضد دستور الإخوان القمعى؟
الأرجح أن الثورة ستبدو فى عينه متشتتة، بائسة، ويائسة. وسيفقد المواطن بسهولة الأمل فى إمكانية تحقيق أى تغيير من قِبل كيان غير متماسك، وغير واضح فى لغته أو أهدافه.
من الجيد أن الناس باتوا يدركون التحديات التى تواجه الثورة، لكن ماذا على الثوار أن يفعلوا حيال ذلك؟ أعتقد أنه على هذا الأساس يجب أن يتم التواصل مع الناس عبر أهداف واضحة، ومراحل تقدم ملموسة نحو هذه الأهداف.
سيجد الناس الأمر صعبًا، بالطبع، لكنه يبقى مسألة إيمان وأمل يمكن أن تُحدث فارقًا كبيرًا عند التصويت. وقد يدفع هذا نسبة كبيرة من هؤلاء الـ68٪ السلبيين إلى مغادرة بيوتهم والوقوف لساعات أمام لجان الاقتراع للتصويت بـ«لا» ضد دستور لا يمت لما مات الناس من أجله بصلة، ولا يعبر عما خرجت الثورة من أجله.
من الواضح أننا أمام ثورة طويلة ومرهقة، بدأت للتو. لكن التصريح بأهداف تتعلق بحياة المواطن اليومية – من طعام على المائدة، وكرامة إنسانية – هو أساسى لكسب انخراط الناس. وبالتوازى، يجب إعلان مسار واضح ومُشترك مع الناس، حتى يصبحوا جزءًا من التعبئة، ومستعدين للنزول إلى الشوارع مرة تلو الأخرى، كلما احتاجت الأهداف الواضحة إلى دعم شعبى.
الثورة لا تزال فى بدايتها من حيث الإنجاز، وحتى «نقطة الصفر» لم تُستعاد بالكامل بعد سقوط مبارك. الكيانات التى تُعيق تحقيق ذلك يجب أن تُحدَّد بوضوح، ويتم استهدافها سياسيًا من قبل الثوار، ومشاركة هذا علنًا مع الشعب. وفقط عندما تسقط قوى الثورة المضادة واحدة تلو الأخرى، يمكن للثورة أن تتقدم نحو «النقطة الثانية» وتبدأ فى بناء الدولة المصرية الجديدة بمؤسساتها الفاعلة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.