الموضوعات الاقتصادية الساخنة حاليًا مثل قرض صندوق النقد الدولى، وتعويم الجنيه المصرى، وزيادة الضرائب، والتضخم، ليست إلا أعراضًا لأزمة إنكار تعيشها حكومة الإخوان المسلمين بسكيزوفرينيا سياسية واقتصادية. يتصرفون وكأنهم نسوا أن الاقتصاد المصرى ما هو إلا بيت طين متهالك، لا يستطيع الصمود أمام أمطار حقيقية، ويحتاج إلى إعادة بناء كاملة.
لسبب ما، تتجاهل حكومة الإخوان حقيقة أن ثمة ثورة قد وقعت، بدوافع ومطالب اقتصادية قوية. «عيش، حرية، وعدالة اجتماعية». هل ستحقق التحركات الاقتصادية الأخيرة للإخوان هذه المطالب الأساسية؟ بوضوح، ليس هذا هو المقصود. والمفارقة أن «شرعية جمال مبارك الاقتصادية» لا تزال قائمة ومسيطرة.
دعونا نعود بضع سنوات إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 2004، والذى شهد تحوّلًا اقتصاديًا دراميًا زاد من معاناة الفقراء، مقارنة بتحولات التسعينيات فى عهد مبارك بالتنسيق مع صندوق النقد الدولى. فى تلك المرحلة، وبتعاون مباشر مع رئيس الوزراء أحمد نظيف، تم تمرير تشريعات جديدة صبّت فى صالح النخبة الاقتصادية، والتى لم تعد تكتفى بدور الداعم للنظام مقابل مكاسب، بل أصبحت هى النظام نفسه.
قوانين 2004 أكدت هذا التحوّل فى طبيعة نظام مبارك، والذى صار يخدم مصالح القمة الاقتصادية محليًا ودوليًا، دون أى اعتبار للطبقة الوسطى أو متوسطة الدخل. نظرة سريعة على قوانين الضرائب وحماية المنافسة وقتها تفضح إلى أين كان يتجه هذا النظام الفاسد، والذى لا يزال مستمرًا حتى اليوم.
أسوأ ما فى قانون الضرائب كان التعميم فى تصنيف الفئات الخاضعة للضريبة، وهو ما يتناقض تمامًا مع أسس العدالة الاجتماعية. حيث تم توحيد نسبة الضرائب على جميع الأنشطة التجارية والصناعية التى تزيد أرباحها السنوية عن 40 ألف جنيه. هذا الظلم جعل أصحاب المشاريع الصغيرة – الذين بالكاد يحققون أرباحًا – يدفعون نفس النسبة التى تدفعها الشركات الكبرى، سواء كانت محلية أو أجنبية، والتى تُقدر أرباحها بعشرات أو مئات الملايين سنويًا. ممارسة جديدة شديدة الجور، لا نجدها بهذه الفجاجة حتى فى أكثر الاقتصادات الرأسمالية.
فى نفس العام، صدر قانون لحماية المنافسة. وهو قانون طال انتظاره، إلا أن النخب الاقتصادية المسيطرة على السوق منذ السبعينيات، والتى طالما قاومت إصدار مثل هذا القانون، نجحت – بدعم من جمال مبارك – فى تمريره بهيكل شكلى لا يُحدث أى تغيير حقيقى فى سوق يعانى من احتكار شديد.
من بين أمثلة الاحتكار الكثيرة، قطاع الأسمنت، الذى ارتفعت أسعاره من 110 جنيهات للطن عام 2002 إلى 280 جنيهًا عام 2004، رغم أن تكلفة إنتاج الطن آنذاك كانت أقل من 100 جنيه، وبمدخلات إنتاج محلية 100%. وجاء هذا الارتفاع عقب موجة خصخصة هائلة لشركات الأسمنت العامة.
عود إلى صندوق النقد الدولى! الكيان العالمى الجبّار، والذى من المفترض أن يكون سعيدًا بمنح مصر هذا القرض الكارثى. أولًا، لا يمكنه تحمل خسارة مصر كشريك سياسى إقليمى. ثانيًا، سواء كان من يحكم هو المجلس العسكرى أو الإخوان، فكلاهما يخدم مصالح الصندوق، ويتبنّى استراتيجياته المعروفة، ومنها «التكيف الهيكلى» وفرض السوق الحرة بالقوة.
صندوق النقد ليس سوى وكيل للقوى الاقتصادية العالمية، يمثل مصالحها فى المنطقة؛ ويكفى الرجوع لتاريخ تأسيسه مع البنك الدولى بعد الحرب العالمية الثانية لفهم السياق. وقد تابع الصندوق التطورات السياسية فى مصر بعد مبارك بدقة، وسارع بتقديم «دعمه» فى صورة قروض ضخمة، مع تصوير مستقبل البلاد وكأنه كارثى إن لم يُقبل هذا الدعم – لكن طبعًا بشروطه المنحازة للأثرياء.
وهنا علينا أن نكرر السؤال مرارًا: هل فشلت الثورة؟ حتى الآن لا يزال الحد الأدنى للأجور لا إنسانى، وحكومات ما بعد مبارك على مدى عامين لم تغادر بعد عقلية «مباركونوميكس» وشرعية جمال مبارك، بنفس الممارسات المنحازة للأثرياء. لكن الجواب بكل ثقة: لا، لم تفشل.
بل ما يجب أن نوقن به هو أن الثورة بدأت للتو، وهى مجرد بداية طريق طويل نحو انتزاع الحقوق الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية المنشودة من الذين يفرضون قواعد اللعبة. الشعب وضع خارطته بنفسه، ولا يزال يُمسك بدليل إسقاط الأنظمة فى يده.
أما عن بيت الطين الذى يحاول الإخوان وصندوق النقد ترميمه، فالمؤسف أننا سنشاهده ينهار قريبًا وسندفع الثمن. وسنظل عالقين فى موسم المطر حتى تُنظف البلاد فعلًا.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.