منذ يومين، حلت الذكرى الخامسة والتسعون لميلاد الرئيس جمال عبد الناصر (1918–1970). الرجل الذى قال: «من لا يملك قوته لا يملك قراره»، فى محاولة تاريخية منه لمنح مصر استقلالًا كاملًا فى قرارها السياسى.

فى أى مناسبة، أو حتى دون مناسبة، يزور محبو و«عُبّاد» ناصر ضريحه، يقرأون الفاتحة ويبكون على زمن الكرامة العربية، ومشروع الدولة الرعوية المنحازة للمهمشين، الذى تعرض للخيانة.

قبل يومين، ذهب المئات إلى قبره فى القاهرة وبكوا. وملايين العرب الآخرين بين المحيط والخليج فعلوا الشىء نفسه. استعادوا جميعًا بألم غياب زعيم يجسّد – فى نظرهم – كل ما يفتقدونه الآن.

فى المقابل، هناك عدد مماثل تقريبًا من الكارهين، يفعلون العكس تمامًا كلما ذُكر اسم عبد الناصر. فبالنسبة لهم، هو رمز القمع، وكل ما تعانيه المنطقة الآن من بؤس ومآسٍ هو نتيجة لأحلامه غير الواقعية. على الأقل، هذا ما يراه معارضوه.

يتهمونه بتأسيس عقلية الدولة البوليسية، وتدمير الاقتصاد، وتأميم الثروات بشكل غير عادل، والتفريط فى سيناء، والأهم، جرّ المنطقة إلى صدام غير محسوب مع الغرب. وكل هذا – فى مجمله – حقيقى، أو على الأقل إلى حد كبير.

لكن، دعونا نسأل أنفسنا: هل جاء بعد محمد على (1805–1848) من قدّم أكثر من ناصر؟ الإجابة: لا. لا أقصد أن هذا ما يستحقه العرب، أو أنه النموذج المثالى، بل فقط أضع الأمور فى سياقها التاريخى والاجتماعى بشكل عقلانى.

لمن لا يعرف تفاصيل كافية عن إصلاحات محمد على الزراعية، فقد كانت واحدة من أكثر عمليات مصادرة الأراضى عنفًا فى تاريخ مصر الحديث، حيث اُجبر الفلاحون على العمل فى أراضيهم المصادرة كـ«عبيد»، أو التعرض للقتل، أو – إن حالفهم الحظ – الجلد.

ولمن يحنّون لأيام الملكية، تذكّروا أن مفهوم «العزبة» و«الوصاية» – القرية الخاصة – تم تقديمه لأول مرة على يد الخديو إسماعيل، وطوّره لاحقًا ابنه توفيق فى القرن التاسع عشر. حيث تشكّلت طبقة وهمية من «الملّاك» (أجانب، أتراك، وكبار الموظفين الموالين) كانوا آلهة يتحكمون فى الأرض، ومصير الناس، ويقومون بدور القاضى والجلاد، بتفويض مفتوح من الخديو أو الملك.

فى كتابه «حكم الخبراء»، يشير تيموثى ميتشل إلى مجموعة من الباحثين الفرنسيين فى الثلاثينيات وصفوا العزبة بأنها «قرية خاصة، حيث المالك هو السيد المطلق. البيوت ملكه الشخصى…». ويصفها ميتشل نفسه بأنها «معسكرات اعتقال». هذا هو المجد الذى تشتاقون إليه، وهذه هى «الإنجازات الاقتصادية» التى تتحسرون عليها.

بعد بضعة عقود، وصل ناصر ورفاقه فى حركة الضباط إلى السلطة بانقلاب عسكرى عام 1952. وغالبًا ما يُوصف هذا الحدث – بمبالغة – بأنه «ثورة». وقد صحّح هذا الانقلاب بعضًا من كوابيس عاشها المصريون طيلة 150 عامًا. أراد ببساطة إعادة الأرض إلى أصحابها. ومع ذلك، أتفق أنه لم يكن تصرفًا مدروسًا جيدًا، وارتُكبت خلاله انتهاكات كبيرة.

فى كتابها «الاقتصاد السياسى فى مصر: علاقات القوى فى التنمية»، تصف نادية رامز فَرح محاولات الدولة الناصرية لإرساء دولة الرفاهية:

«تم تمديد التعليم العام المجانى ليشمل جميع المراحل، بما فيها الجامعية. كما أطلقت الدولة برامج للرعاية الصحية، التزمت فيها بتوفير العلاج المجانى لمن لا يملكون القدرة على العلاج الخاص. ودعّمت نظامًا للسلع الغذائية الأساسية، خاصة الخبز، بأسعار ثابتة ومنخفضة.

كما التزمت الدولة بتوظيف خريجى المدارس الفنية والجامعات. وقدّمت قوانين عمل سخية لضمان الحقوق الاقتصادية للعمال. وساهمت هذه السياسات فى تقليص الفجوات فى توزيع الدخل. حيث انخفضت نسبة الأسر الفقيرة فى الريف من 35% عام 1958–59 إلى 27% عام 1964–65، وفى المدن من 30% إلى 27.8% فى نفس الفترة. وارتفعت نسبة الأجور من الناتج القومى من 38% عام 1950 إلى 50% فى 1967–68.»

نعود الآن إلى من يجلدون ناصر فى ذكرى ميلاده: لا تنخدعوا بصور الأبيض والأسود الأنيقة لمصر الملكية، وأفلام «الزمن الجميل». كانت رفاهية طبقة صغيرة جدًا، فى دولة يسودها الظلم الاجتماعى الشديد. ولا تستهينوا أيضًا بإنجازات دولة ناصر رغم أخطائها، فلم يكن هناك قائد انحاز للفقراء كما فعل هو خلال القرون الأخيرة.

وتذكروا أنه شكّل تهديدًا حقيقيًا للقوى الاستعمارية، مما دفع أجهزة استخبارات غربية عدة إلى التنسيق فيما بينها لإطلاق عملية اسمها «اصطياد الديك الرومى» للإطاحة به بأى وسيلة (وفقًا لأرشيفات استخباراتية غربية رُفعت عنها السرية). فوجود دولة عربية قوية كان آخر ما يرغبون فى حدوثه.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.