يميل الناس إلى الاعتقاد بأن يوم 25 يناير 2011 هو تاريخ بدء الثورة. أما أنا، فأرى أنها بدأت قبل ذلك، حين قررت الحركات العمالية التدخل والنضال ضد الظلم على الأرض. يمكن اعتبار بداية الثورة من انتفاضة المحلة عام 2008، أو ربما قبلها.
بالنسبة لى، لم يكن 25 يناير سوى نقطة تحوّل من انتفاضة عمالية إلى حركة جماهيرية وطنية، أشعل شرارتها مقتل خالد سعيد بوحشية، والأمل الذى بعثته تونس فى النفوس.
عد مرور عامين على سقوط مبارك، لا تزال الحركة العمالية تناضل، وستستمر فى نضالها حتى تتحقق المطالب التى أعلنتها مرارًا وتكرارًا خلال السنوات العشر الماضية. وتدور هذه المطالب حول تطهير المؤسسات من رموز الفساد (فلول مبارك والعسكر)، وإعادة تأميم شركات القطاع العام التى تم خصخصتها، وإصلاح قوانين العمل، وقبل كل شىء: الحق فى حد أدنى إنسانى للأجور.
هل تستطيع الحركات العمالية فى مصر تحقيق ذلك؟ بالتأكيد تستطيع، وهى بالفعل تحقق تقدمًا. ومع ذلك، فإن «البيت العمالى» ذاته يحتاج إلى إصلاح داخلى كبير.
لاتحاد العمالى الرسمى، أو لنقل اتحاد مبارك، يحتاج إلى جهود جماعية من الكيانات العمالية الأخرى لكى تنقل للرأى العام ما يجرى حقًا داخل هذه المؤسسة الضخمة، الغنية، والفاسدة تاريخيًا، والتى تلعب دائمًا دورًا داعمًا للسلطة أيا كانت. بالأمس كانت تخدم عصابة مبارك، واليوم تخدم جماعة الإخوان المسلمين بأجندتها النيوليبرالية.
بالتوازى، فإن تطوير هيكل الحركات العمالية الأخرى، والمتمثلة فى العديد من النقابات المستقلة والحركات، والتى تعانى من بيروقراطية مرهقة وتنظيم غير فعّال، يُعد أمرًا لا مفر منه.
وتحديد موقع الحركة العمالية، بمفهوم شامل، فى علاقتها مع الأطراف الأخرى المعنية بالثورة، يُعد أمرًا آخر يحتاج إلى اهتمام. قد تكون هناك تنسيقات مهمة مع الحركة الاشتراكية الثورية النشطة، لكن يجب أن تنتقل هذه الشراكة إلى مستوى آخر من التأثير الشعبى والضغط على حكومة الإخوان.
الحركات الثورية غير العمالية، مثل 6 أبريل وربما الألتراس، تحتاج هى الأخرى إلى الانخراط والتنسيق حين يتعلق الأمر بإرسال رسائل قوية إلى الشارع وإلى الحكومة.
فى المقابل، على الحركات العمالية، وخاصة فى هذه المرحلة الثورية، أن تتجنب التحالفات القصيرة النظر مع الكيانات السياسية التى تدّعى دعم الثورة. جبهة الإنقاذ الوطنى مثال على «الوصمة» التى يستغلها الإخوان ببراعة، ويبدو أن الناس مستعدة لتصديقها؛ وهى أن الجبهة تضم قدرًا كبيرًا من الفلول وأشخاصًا لديهم تاريخ من التعاون مع النظام السابق، ويتظاهرون بأنهم معارضة وهم فى الحقيقة جزء من المشهد القديم. أعتقد أن الجبهة ستفشل، ما لم تُجرِ عملية تطهير داخلى عاجلة.
على الحركة العمالية أن تتجاوز هذه النظرة الطوباوية الساذجة لشعار «إيد واحدة» الذى سمعناه خلال أيام الثورة الـ18 عام 2011. لا أحد يُنكر أن تلك الأيام كانت الأفضل، لكن للأسف، السياسة لا تعمل بهذا الشكل، ومن يُفكّر بهذه السذاجة دائمًا ما يخسر.
ينبغى أن تكون الحركة واضحة بشأن مطالبها، ومن تختاره حليفًا حقيقيًا، ومن تُحدّده (فى إطار المقاومة السياسية والسلمية) كخصم. هكذا تُبنى الولاءات، ويتطوّر الدعم، وتتحقق الأهداف. الطوباويات مكانها القصص الخرافية. لا تنازل فى الحقوق الأساسية، وحقوق العمال ببساطة هى من أبسط الحقوق.
ولحسن الحظ، فإن ما يجعل الحركة العمالية الركيزة الأهم فى الذكرى الثانية للثورة، رغم كل مشاكلها الهيكلية، هو أنها تُجسّد حلم المواطن العادى. فمطالبها ليست إلا الهدف الجوهرى للثورة: عيش، حرية، وعدالة اجتماعية! لذلك، من الأفضل أن تُرتّب صفوفها، وتبدأ فورًا فى نشر رسالتها داخل كل بيت مصرى.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.