فى عام 2010، دُعيت لحضور محاضرة للشيخ عمرو خالد، نظمها «كلية ريجنت» فى لندن، بينما كنت هناك فى مهمة إعلامية. كانت المحاضرة تُعتبر مهمة للغاية، حيث كانت تتناول موضوع التعايش فى الإسلام، فى مدينة تُعد من أبرز المدن الأوروبية من حيث الوجود الإسلامى.

لمن لا يعرف عمرو خالد، هو داعية إسلامى شهير اشتهر بنشر الإسلام بين الجاليات المسلمة باستخدام مفاهيم حديثة فى التواصل، مع التركيز على الروحانيات التقدمية. قبل سنوات، أصبح موقعه الإلكترونى الثانى عالميًا من حيث عدد الزيارات لموقع شخصى، بعد موقع أوبرا وينفرى.

وبفضل أسلوبه غير التقليدى وظهوره التليفزيونى، جذب هذا الداعية المتنوّر ملايين المتابعين، أغلبهم من الشباب من الطبقة الوسطى والوسطى العليا فى مصر والعالم العربى. وهو ما دفع بعض الدعاة التقليديين إلى انتقاده بشدة، ووصفه ساخرًا بـ«الشيخ الروش»، على اعتبار أن ذلك إهانة. شخصيًا، أعتبرها مديحًا.

خلال تلك المحاضرة حول موضوع شديد الأهمية، خاصة بالنسبة لغير المسلمين فى أوروبا، أعتقد أننى كنت العربى الوحيد الحاضر. بدا أن الحضور لم يكونوا مستعدين أو على دراية بتفاصيل الموضوع. وجاءت محاضرته أقرب إلى «رسالة محبة» أكثر منها طرحًا علميًا، وهو ما لم أستسغه، خاصة أنه كان يتحدث فى مؤسسة أكاديمية، وهو أكاديمى أيضًا.

وبينما كان يتحدث، كنت أفكر فى قضايا حرجة تتعلق بالمساجد العرقية غير العربية التى كنت أزورها فى لندن. روّاد هذه المساجد لا يتحدثون العربية، «لغة الإسلام»، ويضطرون لتوظيف أئمة عرب غير مؤهلين لإمامتهم. وقد رصدت أخطاء كثيرة، أعتبرها خطيرة.

عندما فُتح الباب للأسئلة، مرت لحظات دون أن يرفع أحد يده لسؤال الداعية النجم. بدا وكأن الجمهور لم يكن المناسب، ولا يملك خلفية عن الموضوع. قررت حينها التدخل وإنقاذ الموقف، إلا أن «الصحفى الساخر» بداخلى كان – للأسف – المسيطر.

شرحت بإيجاز ملاحظاتى ومخاوفى من ممارسات الأئمة العرب غير المؤهلين، وطرحت هذا السؤال: ما الأفضل فى رأيك؟ أن تُدار المساجد تحت سلطة مركزية واحدة مثل الأزهر – الذى أراه إداريًا غير فعّال – مع خطر تحوّله إلى نموذج استبدادى على غرار الفاتيكان؟ أم أن تُترك المساجد حول العالم لممارسات حرة قد تصبح مدمّرة وخطيرة أحيانًا؟

كان هذا سؤالًا غير منصف لعمرو خالد. كنت أعلم أنه لا إجابة حاسمة له. لا يوجد عالم مسلم – على حد علمى – نجح فى حل هذه المعضلة. لكن كان لدىّ أمل، انطلاقًا من احترامى له، فى أن يقول شيئًا يفتح بابًا لتفكير جديد. لكن عمرو خالد لم يستطع الإجابة، ولم يجد الكلمات المناسبة للتعبير عن صعوبة التحدّى، خاصة وأن لغته الإنجليزية لم تكن سلسة بالدرجة المطلوبة.

الجمهور الصامت غير المتخصص تحوّل فجأة إلى هجوم حاد على «الشيخ الروش» المسكين، الذى هو فى النهاية بشر، لا يملك إجابات لكل شىء. وكانت كل الأسئلة العدوانية، والجاهلة أحيانًا، مبنية على ملاحظاتى. شعرت بالخجل لأننى كنت السبب فى وضع هذا الرجل المحترم فى زاوية ضيّقة وغير منصفة، وفتح أبواب «جهنم البريطانية» ضده.

لكن المفاجأة كانت بعد انتهاء المحاضرة، إذ اقترب منى فورًا معبرًا عن تقديره لسؤالى «المهم جدًا» كما وصفه، ودعانى للعشاء الذى نظمته الجامعة من أجل الحاضرين. لقد كان فعلًا عالمًا محبًا للإنسانية والسلام. وهذا ما أُسميه «التحضّر».

قد تبدو هذه القصة غير مرتبطة بتطورات الوضع السياسى الراهن فى مصر، التى تمر باضطراب ومواجهات فى الذكرى الثانية للثورة. لكننى أستخدمها لطرح سؤال أراه مهمًا: أين اختفوا الشيوخ المعتدلون؟

الشيوخ المعتدلون، أو ما يُعرف بـ«الروشين»، الذين يُعد عمرو خالد أحد أبرزهم، تم «إسكاتهم» فعليًا بعد سقوط مبارك. كانوا فى أوج شعبيتهم فى أواخر التسعينيات وبدايات الألفية، لكن نظام مبارك قمعهم خوفًا من شعبيتهم، وضيّق عليهم فى الإعلام.

البعض اضطر لمغادرة البلاد، ومُنع من العودة. وقبيل انتفاضة 25 يناير، بدأت القنوات الإعلامية تُعطى مساحة أكبر للراديكاليين، ومع سقوط مبارك، احتل هؤلاء المتشددون المشهد العام، بدعم من العسكر، وملأوا المجال العام بالصراخ والتحريض الموجه للمواطن المصرى العادى. بينما تراجع حضور الشيوخ المعتدلين الذين وقفوا فى معظمهم بجانب مطالب الثورة.

فى مصر اليوم، الممزقة بين الإسلاميين ومؤيديهم، والثوار وأنصارهم، أعتقد أن وجود عمرو خالد ومجموعة العلماء المنفتحين مثله أصبح ضروريًا. ليس لأننا نبحث عن «حل إسلامى» للأزمة، فهذا أمر لا أؤيده ولا أرفضه.

لكن لأن المصريين بطبيعتهم متديّنون منذ القدم، حتى وإن لم يكونوا متطرفين. وبما أن الدين يُستخدم حاليًا بشكل جهلِى لمصالح سياسية قصيرة النظر، فربما باتت أصوات الشيوخ المعتدلين أكثر إلحاحًا من أى وقت مضى. دورهم ليس تأسيس أحزاب غير فعّالة، كما فعل عمرو خالد سابقًا. بل يجب أن يُسمع صوتهم مجددًا، ويستعيدوا حضورهم الإعلامى، وينشروا فكرًا واعيًا يواجه خطاب التطرّف والتعصّب.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.