فى أول برلمان لمصر بعد مبارك، الذى استمر لعدة شهور فقط عام 2012، كانت تلك هى المرة الأولى التى يحظى فيها الإسلاميون السلفيون (وخاصة حزب النور) بتمثيل سياسى من هذا النوع. كان المشهد فوضويًا إلى حد بعيد، حيث وجده كثير من المصريين مسليًا، وأطلقوا عليه اسم «السيرك».
قناة البرلمان «صوت الشعب» حظيت حينها بأعلى نسب مشاهدة فى البلاد. نادر بكار، المتحدث باسم حزب النور، اضطر إلى خوض فترة مكثفة من الظهور الإعلامى للاعتذار عن تصريحات وسلوكيات نواب حزبه. وقد أُطلق عليه ساخرًا لقب «الاعتذارى».
ولم يكن هذا السلوك الطفولى مختلفًا كثيرًا عن باقى الأحزاب السياسية خلال هذا البرلمان قصير العمر، الذى حُلّ لاحقًا بحكم من المحكمة الدستورية. إلا أن الناس – لأسباب ثقافية على ما يبدو – كانوا يميلون إلى النظر إلى السلفيين باعتبارهم «غرباء» ويستخدمونهم كمادة دسمة للنكات اليومية على مواقع التواصل الاجتماعى.
لكن بشكل مفاجئ، وفى نهاية الشهر الماضى، أقدم حزب النور على خطوة غير متوقعة بدعمه لجبهة الإنقاذ الوطنى ذات التوجه العلمانى ضد الرئيس الإسلامى محمد مرسى وحكومة الإخوان المسلمين. كانت خطوة لم يتوقعها معظم المحللين والمتابعين للمشهد السياسى المعقّد فى مصر. وتفاوتت التفسيرات بين نظرية المؤامرة وإعادة التموضع السياسى الصريح. فى الحالتين، كانت مفاجأة واضحة.
ليلة الثلاثاء شهدت تحولًا ملحوظًا فى تكتيكات حزب النور السياسية، وذلك أثناء مشاركته فى ما يُعرف بـ«الحوار الوطنى» الذى يرعاه مرسى ويُبث مباشرة على الهواء.
الدكتور يونس مخيون، الرئيس الجديد لحزب النور، فتح النار على مرسى وحكومته الإخوانية فيما يتعلق بتزايد تغلغل الإخوان فى مفاصل الدولة، وأوجه القصور فى القوانين والممارسات الانتخابية. وقد أظهرت الكاميرات وجه مرسى خلال عشر دقائق عصيبة من الإحراج، بينما كان مخيون يتحدث بأدلة موثقة، وقال إن لديه مستندات تُثبت ما يقول.
مخيون، بأسلوبه السياسى السلفى الجديد، لم يخرق أىًّا من المبادئ الأساسية لتياره. لا يزال سلفيًا متشددًا، كما توحى ملامحه ولغته. الفارق يبدو أن حزب النور قرر تغيير أساليبه، لا معتقداته.
لقد انتقلوا من كيان سياسى يؤيد مشروع الإخوان الإسلامى تأييدًا أعمى إلى فاعل يسعى إلى كسب الشارع عبر «المصداقية»، تلك القيمة التى فقدتها حكومة الإخوان تمامًا خلال العامين الماضيين.
قد تكون مجرد لعبة انتخابية تُظهر وجود خلافات مع الإخوان، الذين تتآكل شعبيتهم تدريجيًا، بما يُهدد مستقبل المشروع الإسلامى ككل إذا خسر الإخوان الأغلبية البرلمانية فى الانتخابات المقبلة.
لقد ألحق الإخوان ضررًا بالغًا بالمشروع الإسلامى، حينما قادوا البلاد إلى واحدة من أكثر مراحلها فوضوية، وأصرّوا على اتباع نفس الأساليب ونمط القيادة التى ورثوها عن نظام مبارك: نفس الأكاذيب، ونفس القمع، ونفس الأدوات المعطوبة. وفى الوقت نفسه، يطوّر المواطن العادى وعيًا سياسيًا ومهارات فى الرقابة لا ينبغى التقليل منها. ويبدو أن حزب النور أدرك ذلك.
سواء كانت هذه مقاربة جديدة صادقة من حزب النور تهدف لكسب الشارع عبر المصداقية، أو مجرد مناورة سياسية بين حزب ناشئ عمره قصير وتنظيم عمره 80 عامًا، فإن النور – والسلفيون عمومًا – يقومون بما هو الأفضل لهم سياسيًا. أعتبر هذا مثالًا على درجة عالية من النضج السياسى لم يُظهرها أى طرف آخر.
على النقيض تمامًا من تكتيكات النور الناضجة، لا توجد أى مجموعة سياسية أخرى تتمتع حاليًا بالمصداقية فى نظر المواطن العادى، الذى يتوق لأى خريطة طريق واضحة… أو حتى مجرد خريطة!
جبهة الإنقاذ الوطنى، بقيادة محمد البرادعى، ألحقت ضررًا كبيرًا بنفسها وبثقة الآخرين فيها من خلال تحالفها مع رموز نظام مبارك – الفلول – فقط لمجرد معاداة حكومة الإخوان. توحد «العلمانيين» ضد المشروع الإسلامى. خطوة يائسة للغاية.
أما التيارات السياسية العلمانية الأخرى، فليست فى وضع أفضل من حيث المصداقية، لأسباب مختلفة. فشباب الثورة، على سبيل المثال، يُنظر إليهم من قبل المواطن العادى باعتبارهم مَن تم خداعهم وسرقة ثورتهم.
أعتقد أن اللعبة أصبحت أكثر خطورة وجدية فى ظل تطورات السياسة الإسلامية الراديكالية نحو النضج. هذه المقاربة الجديدة تمنحهم فرصة حقيقية لكسب مزيد من القبول الشعبى.
نعم، السلفيون يظهرون مصداقية فى تعاملهم مع قضايا مصر المعقدة اليوم، وهى مصداقية لا يمتلكها أحد سواهم فى الساحة. لكن علينا أن ننظر بعين الحذر إلى ما قد ينتج عن هذا التصاعد فى نفوذهم، وألا ننسى طبيعة نموذج الحكم الذى يسعون إليه. فهو بالتأكيد ليس النموذج الذى قامت من أجله الثورة، ولا هو ما ضحى الناس من أجله بأرواحهم.
ومع ذلك، وفى نهاية المطاف، علينا أن نرفع القبعة لحزب النور على صدقه ومصداقيته وإخلاصه لحلمه السياسى. ربما لا تزال باقى التيارات السلفية أقل نضجًا، لكن قد يكون ذلك درسًا لهم ليتعلموا منه. فلنرَ ما ستحمله الأيام القادمة.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.