قبل شهور قليلة من اشتعال شرارة الثورة، زارنى فى القاهرة صديقان فلسطينيان يعملان فى مجال الإعلام. آخر مرة رأيتهما فيها كانت خلال قمة عربية عام 2007 (كنا نعمل معًا آنذاك).

اجتمعنا نحن الثلاثة فى شقة فاخرة بحى المهندسين كانا قد استأجراها، وتبادلنا حديثًا ممتعًا وطويلًا، ثم قررنا الخروج.

وبينما كنا فى شارع جامعة الدول العربية، وقبل أن نفترق، أخرج أحد أصدقائى قطعة كبيرة جدًا من الحشيش وبدأ فى تقسيمها للنصف لصالح صديقنا الآخر (ويبدو أنهما اتفقا مسبقًا على ذلك قبل حضورى). بعد دقائق قليلة، ظهرت الشرطة فجأة، وأوقفتنا نحن الثلاثة، وفتّشتنا، وعثرت على قطعة الحشيش فى جيب صديقى.

ولاختصار القصة، عرض صديقاى بثقة على أفراد الشرطة الثلاثة (ضابط واثنان من الأمناء) رشوة قدرها 100 جنيه. غادر الضابط المكان بهدوء، تاركًا مساعديه للتفاوض على مبلغ أعلى، متحججين بأن ما دُفع لهم لا يكفى (خاصة وأن ضابطًا برتبة كان معنا).

وفى النهاية، اتفقوا على مبلغ 200 جنيه وتركوا سبيلنا. ما أدهشنى وقتها هو جرأة صديقىّ فى عرض الرشوة بهذه العلانية، وفى واحد من أكثر شوارع القاهرة ازدحامًا، وكذلك الاعتيادية التى تعامل بها رجال الشرطة مع الأمر. وقد كانت تلك آخر مرة ألتقى فيها هذين «الصديقين»، بسبب الموقف المحرج الذى وضعونا فيه.

لك القصة مع الرشوة ليست استثناءً، بل واحدة من بين مئات القصص التى نسمعها باستمرار، قبل الثورة وبعدها. وهناك أيضًا قصص كثيرة موثقة عن الفساد داخل الشرطة. ربما كنا محظوظين أننا لم نُنقل إلى القسم ونتعرض للضرب أو للتهديد بتهم أكبر من أجل دفع رشوة أكبر بكثير.

كما كنا محظوظين أن مظهرنا كان يوحى بأننا «من طبقة عليا» (رغم أننا لسنا كذلك)، فقد تعامل معنا رجال الشرطة وكأننا فى مفاوضة، وليس توقيفًا حقيقيًا، ولم تُستخدم أى من الشتائم المعتادة.

فى ظروف أخرى، مع سكان المناطق الفقيرة أو القرى، والذين لا يبدو عليهم أنهم «من الطبقة العليا»، تكون الحقيقة أكثر بؤسًا، وأحيانًا أكثر عنفًا.

بعد سقوط مبارك فى 11 فبراير 2011، كان من المتوقع تمامًا أن يتم تطهير شامل لمؤسسة غارقة فى الفساد والجهل حتى العنق. لكن حتى الآن، لم يحدث شىء يذكر، سوى بعض التغييرات الشكلية هنا وهناك. أشبه بإجراء عملية تجميل للأنف لمريض يعانى من سرطان فى العظام. المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يُرد ذلك، ولا الإخوان المسلمون أيضًا.

فى مصر ما بعد مبارك، لا تزال عقلية الأمن ومهاراته المتدنية على حالها: أداة قذرة فى يد من يحكم، تمتلك ما يكفى من الأسرار لتستمر بنفس الطريقة دون أى تغيير حقيقى. سواء كان الحاكم هو «العسكر» أو «الإخوان»، فالجميع يريد فرض سطوته على مصر الجديدة – وتطهير حقيقى لوزارة الداخلية ليس خيارًا مناسبًا لهم.

الأشهر الماضية قدّمت لنا أدلة دامغة على أن شيئًا لم يتغير. اعتقالات عشوائية وتعذيب فى مدينة ميت غمر بالدقهلية، اختطاف نشطاء وتعذيبهم حتى الموت فى الذكرى الثانية لثورة 25 يناير، ومشاهد لا تُصدق للمواطن حمادة صابر، الذى تم تجريده من ملابسه وضربه أمام الكاميرات، ثم حاول لاحقًا إنكار ما جرى. إنها نفس ممارسات جهاز شرطة مبارك، بكل أمراضه وتخبطه واستبداده الردىء.

ا يختلف اثنان من أصحاب العقل أن الاستقرار ضرورى لبناء الدولة اقتصاديًا وسياسيًا. لكن من غير المنطقى تمامًا أن نظن أن هذا الاستقرار يمكن أن يتحقق دون تحقيق العدالة الانتقالية، أو على الأقل اتخاذ خطوات جدية فى هذا الاتجاه.

محاكمات حقيقية لمن قتلوا المتظاهرين خلال أول 18 يومًا من الثورة، ومن يواصلون قتلهم حتى الآن، هى شرط أساسى لتحقيق هذا الطموح فى الاستقرار. لكن هذا لا يكفى حتى للمواطن العادى، الذى بات يرى الشرطى واحدًا من اثنين: إما شخصًا تُدفع له رشوة، أو من يعذّبه لإرضاء من هم فى السلطة.

الحديث عن «الاستقرار» لا يعدو كونه هراء، قبل أن نُعيد تشكيل المؤسسة من الجذور. لكن السؤال الحقيقى: هل من المنطقى أن حكومة الإخوان اليوم لا تعرف ذلك بالفعل؟

كل عام وأنتم بخير فى ذكرى سقوط مبارك!

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.