منذ أيام قليلة، دار بينى وبين صديقى التركى، الباحث المتخصص فى شؤون الشرق الأوسط، حديث حول الثورة المصرية، ومدى المبالغة فى تقدير «النموذج التركى» فى أعين المصريين.
كثيرًا ما يُقال إن على مصر أن تسير على خطى تركيا «الناجحة». وغالبًا ما يبنى أصحاب هذا الرأى حججهم على معلومات انتقائية وتحليلات سطحية. فهم يشيرون إلى نموذج متخيل، مُجرَّد من سياقه التاريخى والدولى. فى حين أن الأساس الذى يقوم عليه هذا النموذج، أى الوضع السياسى الحالى فى تركيا، ليس ورديًا كما يصوّره البعض.
فى هذه التحليلات، تغيب عوامل تاريخية وسياسية أساسية. فعلى سبيل المثال، المقارنات بين دور الجيشين التركى والمصرى فى السياسة، فى أغلب الأحيان تُقدَّم بشكل تبسيطى مُخل.
المديح الموجّه لـ«الديمقراطية العلمانية» التركية نادرًا ما يتطرّق إلى مسيرة التحديث والعلمنة القسرية المؤلمة. وينطبق الأمر نفسه على الصراعات العميقة والاضطرابات الهويّاتية المتجذّرة فى المجتمع التركى. كما أنه نادرًا ما يُشار إلى عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى، والتى كانت ركنًا أساسيًا فى مسار التحول الديمقراطى التركى.
الذين يصوّرون «النموذج التركى» كطريق إلى الازدهار والديمقراطية، يتبنون نهجًا انتقائيًا واضحًا فيما يخص إنجازات حزب العدالة والتنمية، والوضع السياسى الحالى فى تركيا. فمن حرية الصحافة إلى حقوق العمال، يتم تجاهل الكثير من الحقائق. دعونى أُعيد هذه الحقائق إلى المشهد لمن لم ينتبه إليها.
حرية الصحافة فى تركيا فى تدهور مستمر. فمنذ عام 2005، خسرت البلاد 56 مركزًا فى تصنيف مؤشر حرية الصحافة العالمى، وأصبحت فى المرتبة 154. ومع وجود 76 صحفيًا فى السجون، وصفت منظمة «مراسلون بلا حدود» تركيا بأنها «أكبر سجن للصحفيين».
ومنذ فرضت الحكومة غرامة ضريبية فلكية على أكبر مجموعة إعلامية فى البلاد، أصبحت التغطية الإعلامية أقل انتقادًا لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان. لقد فهموا الرسالة جيدًا.
حرية التعبير لا تزال تتعرض للتقييد. أردوغان رفع قضايا ضد كتاب أعمدة، ويدعو الناس باستمرار لمقاطعة الصحف التى تنتقده. ووفقًا لبعض التقارير، فقد أقام دعاوى قضائية بتهمة «إهانة رئيس الوزراء» ضد 35 سياسيًا، و40 كاتبًا صحفيًا، و23 صحيفة ومجلة ساخرة. كما قامت المحاكم فى عدة مناسبات بحجب مواقع مثل Blogspot وYouTube.
عدد الطلاب المسجونين فى تركيا بلغ 2,824. وقد تنوعت «أنشطتهم التخريبية» بين مشاركة منشورات على فيسبوك ورفع لافتات تطالب بتعليم مجانى فى اجتماعات عامة.
فى الشهر الماضى، تم اعتقال تسعة من المحامين الحقوقيين. قوانين مكافحة الإرهاب التى تعود إلى عهد الانقلابات العسكرية لا تزال سارية، وتُستخدم بشكل تعسفى لتخويف المعارضة والنشطاء.
فى السنوات العشر الأخيرة، بحسب صديقى التركى، زادت حالات قتل النساء بنسبة 1400%. بعض هؤلاء النساء قُتلن أمام أعين الشرطة، وأخريات استنجدن بالسلطات دون جدوى. وعندما خرجت ناشطات إلى الشوارع، تعرضن للضرب على يد الشرطة، وبعضهن أُجهضن بسبب العنف. وكان رد فعل أردوغان هو التشكيك فى «أخلاق النساء».
تركيا تحتل المرتبة الأولى فى أوروبا فى حوادث العمل. يُقتل أربعة عمال يوميًا. وفى السنوات العشر الماضية، توفى 12,000 عامل. للأسف الشديد، يُنظر إليهم باعتبارهم «ضحايا النمو السريع». وكأن الموت مصير محتوم لهؤلاء.
فى هجوم بقيادة الجيش العام الماضى، قُتل 34 كرديًا بريئًا، بسبب «خطأ». وكان معظم الضحايا من المراهقين، أصغرهم عمره 12 سنة. الحكومة رفضت تقديم اعتذار علنى، وألقت باللوم على الإعلام، ووصفت الحادث بأنه مجرد «خطأ فى العملية».
خلال الثلاثين عامًا الماضية، قُتل 40,000 شخص من الجانبين التركى والكردى. وعلى الرغم من بعض الخطوات الإيجابية التى اتخذتها الحكومة، فإن القضية الكردية لا تزال متعثرة وسط عملية «دمقرطة» تركيا.
العلمانية التركية تسير جنبًا إلى جنب مع تفسير الدولة للإسلام السنى. ولم تعترف هذه المنظومة بالطائفة العلوية أو أماكن عبادتها. كما أن رئاسة الشؤون الدينية التابعة للدولة تواصل إحالة العلويين إلى المساجد السنية.
فحتى إن كانت كل هذه الوقائع تُكوِّن ما يُعرف بـ«النموذج التركى»، فإنه يظل نموذجًا للواقع القائم، وليس نموذجًا للثورة فى مصر. فهل هذا ما يكفى مصر؟
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.