فى الذكرى الثانية للاستفتاء الذى نظّمه التحالف العسكرى-الإسلامى يوم 19 مارس 2011، والذى تعمّد وضع العربة أمام الحصان فى عملية بناء الدولة بعد مبارك، يجب أن نتذكر دائمًا أن مصر اختارت الطريق الطويل لتحقيق مطالب الثورة، وستدفع الثمن. من الواضح أنها واحدة من تلك الثورات التى تستغرق سنوات لكى تكتمل.
لم يكن 25 يناير 2011 هو البداية. بل كان مجرد شرارة لعملية ثورية أوسع نطاقًا، فى حين أن سقوط مبارك لم يكن النهاية، كما يحاول العسكر والإخوان الترويج له.
كل ما فى الأمر أن الثورة تمر بمراحل ومستويات معقدة، سواء أحبّ العسكر، أو الإخوان، أو «حزب الكنبة» الباحث عن الاستقرار ذلك أم لا. فطموحات الناس ببساطة أكبر من قدرة أى من هذه الكيانات على التحكم أو القمع.
الفترة بين عام 2008 (وربما قبل ذلك) وحتى 2011 كانت مرحلة التسخين للثورة. وسقوط مبارك يمثل «المرحلة الأولى»، فى حين أن «المرحلة الثانية» تبدو الآن فى طور التكوين، تنتظر فقط الشرارة المناسبة. تفاصيل هذه المرحلة تشبه ما سبقها من حيث المفهوم، لكنها تختلف فى درجة التعقيد، والفوضى، ومدى «اعتيادية» العنف.
اقتصاديًا، لا يزال الناس يعانون من نفس مبادئ الظلم والفساد الاقتصادى. القوانين الاقتصادية التى قدّمها جمال مبارك عام 2004 لا تختلف كثيرًا عن نموذج خيرت الشاطر بعد 2011. الأسباب الاقتصادية التى دفعت الناس للنزول إلى الشارع فى 25 يناير لا تزال قائمة، بل ربما تفاقمت فى ظل الأداء الاقتصادى البائس للبلاد حاليًا.
المعارضة فى عهد مبارك لم تكن كيانًا سياسيًا يمثل الناس. فهل تمثلهم المعارضة اليوم؟ بالتأكيد لا. المواطن العادى فقد الثقة بوضوح فى كل رموز المعارضة بسبب أدائهم المخزى وتشتتهم منذ سقوط مبارك. مواقفهم من الجيش أولًا، ثم من الإخوان، والآن من الفوضى، لم تخلق إلا مزيدًا من الغضب فى الشارع.
الفرق فى الممارسة السياسية بين الحزب الوطنى الديمقراطى (المنحل) وجماعة الإخوان المسلمين، ليس كبيرًا عندما يتعلق الأمر بملف الانتخابات البرلمانية.
فى عام 2010، أصر الحزب الوطنى على إجراء الانتخابات وسط فوضى سياسية، غموض، وغياب لاعبين رئيسيين، مما زاد الإحباط الشعبى. واليوم، يصر الإخوان على إجراء الانتخابات البرلمانية فى أقرب وقت، رغم الملاحظات التشريعية التى أبدتها المحكمة الدستورية. كما أن الإخوان يستخدمون نفس أساليب شراء الولاءات التى استخدمها الحزب الوطنى: «صوتك مقابل زيت وسكر».
فى بداية يناير 2011، كانت قوات الأمن تعلم أن شيئًا ما يُطبخ فى الشارع. لكنها لم تكن تدرك حجمه. لا أحد كان يعلم. لكنها كانت واثقة لدرجة الغرور فى قدرتها على السيطرة. اعتقدت أن الأمر مجرد شوية شباب يتم ضربهم واعتقال بعضهم، ثم ينهار الباقون ويعودون إلى بيوتهم. حسنًا، لم يكن الأمر كذلك فى النهاية، بل هم من عادوا إلى بيوتهم يهربون من هؤلاء الشباب.
ورغم أن الوضع الحالى أكثر تعقيدًا، إلا أنه قد يكون مشابهًا. فقد تغيرت عقلية الأمن بالفعل فيما يتعلق بثقته فى قدرته على قمع المتظاهرين الشباب. لكن هناك عنصرًا جديدًا ظهر منذ تصاعد قوة التيار الإسلامى فى المشهد السياسى المصرى.
أعتقد أن الجماعات الإسلامية، وشبكاتها، ومؤيديها المعبئين ذهنيًا، لديهم ثقة بأنهم، فى أسوأ السيناريوهات، حين ينزل الناس مجددًا إلى الشوارع لنفس الأسباب التى دفعتهم قبل 2011، سيقومون بدعم قوات مكافحة الشغب وتعليم هؤلاء «الشباب المسلمين الضالين» درسًا. ويعتقدون أن لديهم ما يكفى من القوة والشرعية للقيام بذلك، باعتبارهم يدافعون عن المشروع الإسلامى الوليد.
لكنها مجرد حالة كلاسيكية أخرى من الوهم بالقدرة والسيطرة. عليهم أن يتعلموا من تجربتهم فى اشتباكات قصر الاتحادية فى ديسمبر 2012، حين اعتدوا على معتصمين ضد قرارات مرسى، وفى المقابل، وحّدوا الشعب ضدهم لأول مرة منذ سقوط مبارك، وخسروا الكثير من شعبيتهم، حتى بين المواطنين المحافظين.
المشهد يبدو مهيأ تمامًا لموجة احتجاجات ضخمة أخرى. وربما تكون أكثر عنفًا. فالتوتر فى الأجواء كافٍ لشىء ينفجر بمجرد أن يُشعل بالشرارة المناسبة. لكن ما هى هذه الشرارة؟ هذا هو السؤال الذى لن يعرف أحد إجابته إلا حين يحدث. فالشرارات تعمل بشكل غير متوقع، كما تعلمنا منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربى.
محمد البوعزيزى أضرم النار فى نفسه، وأشعل ثورة كاملة فى تونس. وقام عدة مصريين محبطين بنفس الفعل خلال الأسبوعين التاليين لهروب بن على، ولم يحدث شىء.
صور خالد سعيد، الذى قُتل بوحشية على يد الشرطة، كان الهدف منها ببساطة هو توعية الناس بضرورة رفض هذه الممارسات. لكنها تجاوزت هذا الهدف وأسقطت واحدًا من أكثر الطغاة دعمًا محليًا ودوليًا.
قبل أسابيع، انتشرت صور محمد الجندى، المتظاهر المخطوف، الذى تم تعذيبه حتى الموت على يد قوات الأمن، بشكل واسع فى الإعلام. وطريقة قتله كانت شديدة الشبه بقصة خالد سعيد. ومع ذلك، لم يحدث شىء.
من الواضح أن مصر على أعتاب «المرحلة الثانية» من الثورة، لكن هذه المرة بتعقيدات أكبر، ومهارات متقدمة اكتسبها كل أطراف اللعبة خلال العامين الماضيين. وكل ما تبقى هو الشرارة المناسبة… التى لا يمكن لأحد توقعها.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.