بدأ العد التنازلى لسقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين منذ أكثر من عامين، حين انقلبوا على الثورة بتحالفهم مع الجيش فى التلاعب بالشعب لدفعه للتصويت بـ«نعم» على إعلان دستورى فى استفتاء مارس 2011. وتسارعت وتيرته حين انقلبوا علنًا على شباب الثورة، ووصفوهم فى البرلمان بأنهم بلطجية، ومدمنو مخدرات، وعملاء أجانب، ردًا على اشتباكات مجلس الوزراء مع الجيش وقوات الأمن الداخلى فى أوائل 2012. إلا أن هذا العد التنازلى لم يكن سوى نظرى، وقد لا يعكس بالضرورة إيقاع الشارع.
أما العد التنازلى الحقيقى لسقوط الإخوان، فيبدو أنه بدأ يتسارع مؤخرًا. أعتبر أن حكايتين بسيطتين من سائق تاكسى عادى وسيدة منقبة تصلحان كدليل على استياء شعبى واضح من الأداء السياسى البائس للجماعة.
فى مشوار تاكسى عشوائى – لا يخلو غالبًا من جدل سياسى كعادة ما بعد مبارك – كان لدى السائق، الذى لا يُعتبر من أنصار الثورة، وجهة نظر واضحة. يُحمّل الإخوان مسؤولية غياب الأمن وتدهور الاقتصاد المصرى، وهو بالطبع تحميل مبالغ فيه بعض الشىء. نعم، الجماعة تتحمل قسطًا كبيرًا من المسؤولية، لكنها ليست السبب الوحيد للأزمات الحالية.
السائق، المسلم المحافظ وغير المتطرف، ندم على تصويته للإخوان فى الانتخابات البرلمانية ولمرسى فى الانتخابات الرئاسية. وذهب إلى حد التمنى لو أنه صوّت للفريق شفيق، رغم عدم حبه له، لكنه يرى أن حكمه كان سيكون أفضل من مرسى.
سائق التاكسى، الذى يبدو غير مهتم بالسياسة، يائس ببساطة من أمرين يحتاجهما ليكفل حياة كريمة لأسرته، كما ذكر بوضوح: الأمن وإنهاء الركود الاقتصادى. مثل هذا الرأى الصادر عن مواطن محافظ غير ثورى وغير متطرف لا ينبغى الاستهانة به، كونه يعكس اتجاهًا اجتماعيًا جديدًا ضد حكومة الإخوان، التى طالما اعتمدت على دعم الغالبية المتدينة نسبيًا فى المجتمع.
قصة أخرى أود الاستشهاد بها كمؤشر على تغير واضح فى الرأى العام تجاه حكم الإخوان، هى ما حدث مع سيدة منقبة أعرفها.
فى تجمع عائلى كبير، أعلنت إحدى قريباتى، التى قررت ارتداء النقاب طوعًا قبل عدة سنوات، أنها قررت خلعه. وكانت مبرراتها ببساطة هى الصعوبة المتزايدة فى التواصل مع المجتمع مؤخرًا، وكيف أن بعض النساء المنقبات يصفن المجتمع الآن بأنه «ضال»، منذ أن بدأ رفض مرسى والإخوان فى التزايد.
وبحسب قريبتى، فقد فقدت إيمانها بحكم الإخوان بعد اشتباكات قصر الاتحادية فى ديسمبر 2012، حين اعتدى الإسلاميون بعنف على المتظاهرين، وهم يتبعون أوامر قيادتهم بشكل أعمى. ورأيها هذا دائمًا ما يُقابل بانتقادات شديدة حين تُعبّر عنه بين صديقاتها المنقبات. كما أنها مؤخرًا، كلما ذهبت للتسوق، تُعامل معاملة سيئة، وتحصل على خدمة رديئة أو لا تحصل على خدمة على الإطلاق، وتُتهم باستمرار بأنها سبب ما تعيشه مصر من وضع بائس.
إلى جانب هاتين القصتين البسيطتين اللتين تعكسان تغيرًا اجتماعيًا سياسيًا عميقًا، هناك عوامل أخرى تُغذّى هذا الاتجاه المناهض للإخوان. وأبرزها هو سلوك الجماعة نفسها، الذى لا يختلف عن سلوك نظام مبارك، بكل غطرسته وفجاجته واستخفافه بقدرات شعبه.
مؤخرًا، زادت الجماعة – ممثلة رسميًا فى شخص الرئيس مرسى – من تعقيد الأمور على نفسها، حين استدعت الإعلامى السياسى الساخر باسم يوسف للتحقيق لمدة خمس ساعات بتهمة «إهانة الرئيس والإسلام»، قبل أن يُفرج عنه بكفالة قدرها 15 ألف جنيه. وقد أثار ذلك موجة غير مسبوقة من الانتقادات لمُرسى، محليًا ودوليًا. لقد خلقوا ببساطة جيشًا جديدًا من «باسم يوسف» صغير فى كل مكان.
والآن، مع السياسة الحكومية المُعلنة رسميًا بقطع الكهرباء يوميًا فى أنحاء البلاد، أصبحت إهانة مرسى والمرشد والإخوان أشبه بـ«صلاة فى الظلام»، تُؤدَّى حتى تعود الكهرباء. قبل أيام، شاهدت رجلاً ملتحيًا يرتدى جلابية يُهان لفظيًا ويُتّهم بأنه السبب فى وصول البلاد إلى «هذا الوضع»، بينما كان يمر بأحد شوارع التسوق وقت انقطاع التيار.
سقوط الإخوان لا يعنى بالضرورة أن البدائل أفضل، أو أنهم سيختفون سياسيًا. ربما يكون خروجهم من المشهد أمرًا جيدًا لمستقبل مصر، لكن على الناس أن يدركوا أن لذلك تكلفة. فالأوضاع ستظل فى حالة تغير حتى تنضج المعارضة الثورية وتقدم نموذجًا بديلًا واضحًا وقابلًا للتطبيق. وحتى إن تحقق ذلك، سنضطر رغمًا عنا إلى «مرافقة» الجيش، والسلفيين، ونخبة رجال أعمال مبارك، كلاعبين مؤثرين قبل وبعد السقوط المنتظر للإخوان.
والمفارقة أن وضع مصر اليوم يبدو مشابهًا لمعاناة قريبتى المنقبة. «سواء لبست النقاب أو خلعته، أنا دايمًا بتعرض للمضايقة»، قالت لى.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.