سائقنا البدوى المحترف يقود بنا عبر صحراء جنوب سيناء. كلما رأى سيارة تمر تهرّب وقودًا مدعومًا إلى السوق السوداء غير الرسمية، يغضب بشدة. وعند أول كمين شرطة نقترب منه، يتوقف، يفتح نافذته ويوجّه فورًا سؤالًا غاضبًا إلى الضابط: «ليه بتسيبوا مهربى البنزين يعدّوا؟»
يتحوّل الضابط من تعاليه المعتاد إلى النقيض، ويرد قائلًا: «مش عارفين نعمل إيه مع البدو الوسخين دول.» فيرد السائق على الفور: «أنا بدوى!»
يحاول الضابط إصلاح الموقف بسرعة، ويقول بغباء: «لا لا! أقصد الوجوه الوسخة بتوع نويبع.»
يرد السائق، بوجه خالٍ من التعبير: «أنا من نويبع!»
يرتبك الضابط، ويتراجع خطوة للوراء، ويتمتم باعتذار مرتبك: «والله ما أقصد، أنا آسف! أنا بتكلم عن الأقلية الوحشة بس، مش الناس المحترمين زيك. ده انت على راسى.»
وبنفس ملامحه الباردة، يلتفت السائق إلى الطريق قائلًا: «خلص، خلص، سلام»، ثم يضغط على دواسة البنزين وينطلق.
بعد أمتار قليلة من الكمين، ينفجر السائق ضاحكًا ويقول: «غلابى المصريين! الراجل خاف موت. اتشتت لدرجة إنه نسى يطلب منى الرخصة، اللى ما معايش أصلًا»، واستمر فى الضحك لدقائق، واتصل بعدد من أصدقائه ليحكى لهم القصة. كان مصدر متعة قصوى له أن يرى الضابط فى هذا الموقف المحرج.
هذه القصة الحقيقية، والتى كنت محظوظًا بحضورها قبل أسابيع، تجسّد بدقة العلاقة المشوهة بين قوات الأمن والبدو. القادمون من وادى النيل بقيمهم «الحضرية والريفية المتفوقة»، مقابل من عاشوا فى شبه جزيرة سيناء لآلاف السنين.
بعد حرب أكتوبر 1973 واستعادة أجزاء من سيناء تدريجيًا، شهدت ثمانينيات القرن الماضى وعودًا كثيرة بالتنمية وتعويضات لأهل سيناء الذين عاشوا تحت الاحتلال الإسرائيلى مباشرة. لكن لم يتحقق منها شىء يُذكر حتى منتصف التسعينيات.
عام 1994 شهد مرحلة جديدة من وعود التنمية القادمة من الوادى: مشروعات سياحية عملاقة، ولبن، وعسل، وشبكات صرف صحى. المشروعات أُعلن عنها، لكن لا لبن ظهر، ولا عسل، ولا حتى صرف صحى.
بل على العكس، تم الاستيلاء بالقوة على مساحات شاسعة من الأراضى التى امتلكها البدو منذ سنوات، وأُعطيت للمستثمرين وعصابة مبارك. التغيير «التنموى» الوحيد فى حياة السكان المحليين كان منح البعض فرصة تقديم الشاى البدوى للسياح، أو أخذهم فى جولة على ظهر الجمل، أو أن يكونوا موضوعًا لصورهم الغريبة.
أما هوس مبارك الأمنى تجاه بدو سيناء، واعتبارهم مصدر تهديد للأمن القومى، فكان سياسة أخرى جاهلة وقصيرة النظر من بين كثير غيرها. على العكس، عندما كانت ضربات الإرهاب تهز وادى النيل فى التسعينيات، رفضها بدو سيناء، وبقيت شبه الجزيرة آمنة تمامًا من تلك الفوضى.
أول تفجير إرهابى من هذا النوع حدث عام 2004، وتلاه عدة تفجيرات حتى عام 2006، وأشارت المعلومات إلى أن من قام بها عناصر جهادية من الوادى، ربما تعاونوا مع إرهابيين أجانب تمكنوا من التسلل إلى سيناء.
وقد تكون هذه العناصر الإرهابية قد نجحت فى ما فشلت فيه حكومة مبارك (وما زالت تفشل فيه الحكومة الحالية): احترام البدو! ربما لهذا السبب وجدوا ملاذًا مثاليًا، خصوصًا فى المنطقة الوسطى من سيناء، حيث الفقر المدقع. لكن رد فعل قوات الأمن كان غاية فى الغباء وسوء التخطيط.
أحضروا ثقافة وادى النيل الأمنية وممارساتها، وحاولوا تطبيقها على البدو. ديكتاتورية حضرية جاءت مباشرة من ضفاف النيل إلى أراضى القبائل فى الصحراء، وعرفت السكان المسالمين على عنف الدولة، وتعذيبها، وقتلها. كل ذلك تحت مظلة قانون الطوارئ ومحاربة الإرهاب. لعبة من عدم الاحترام، لا أحد يستطيع تحمّل نتائجها، فُرضت على البدو. إنها استراتيجية افتقرت لكل رؤية، وضعها أمن مبارك، وما زالت حكومة الإخوان تسير عليها: لا تثق فى البدو، ولا تمنحهم سلطة أبدًا!
نعود إلى سائقنا البدوى المحترف، الذى استمتع كثيرًا بمشهد ضابط الشرطة المرتبك. كان حزينًا أثناء حديثه عن زياراته للقاهرة، المدينة التى يكرهها أكثر من أى مكان، لأن الناس هناك يعاملونه كغريب ويستغلونه ماليًا.
وبهدف كسب ثقته، رويت له حكاية تاريخية عن وطنه المحبوب، وكيف أن قرية «المساعيد» سُمّيت بهذا الاسم على يد عمرو بن العاص عام 642 ميلادية، وأن الاسم مأخوذ من عبارة «المساء عيد».
هذه القصة، التى جاءت منّى كواحد من أبناء الوادى، أحدثت تغييرًا كبيرًا فى سلوك السائق، إذ قدّر فورًا الاحترام الذى أبديته، والاعتراف بتاريخه وثقافته. ولإنهاء القصة بنهاية أكثر بهجة، رفض السائق أن يأخذ منّى أى أجر مقابل الرحلة التى استأجرته من أجلها.
بالنسبة للبدو، يبدو أن الأمر كله يتلخص فى «الاعتراف والاحترام» – وهما شيئان يفشل أبناء الوادى فى منحهما.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.