خلال الأسابيع الثلاثة الماضية التي قضيتها في أوروبا، شاركت في مناقشات، وأحيانًا جدالات، حول الشأن المصري مع أصدقاء يعملون في مجالات ترتبط بشكل أو بآخر بالسياسة في الشرق الأوسط. المثير أن معظم هذه اللقاءات توقفت عند مأزق تصنيف ما يحدث حاليًا في مصر.
بشكل غريب ومربك، عبّر أصدقائي عن ارتياح مبطن لكون الإسلاميين السياسيين لم يعودوا في السلطة، لكن التزامهم بالديمقراطية يجعلهم يرفضون أي تغيير سياسي لا يأتي عبر صناديق الاقتراع. هم عالقون، مثل معظم غير المصريين، في المأزق الضيق بين تصنيفين متضادين: «الشرعية» مقابل «الانقلاب العسكري».
تُدار هذه الحرب على المصطلحات أساسًا بين أربع جهات:
الجيش، الذي تدخّل وأعاد تشكيل المشهد السياسي المصري عبر الإطاحة برئيس منتخب، محمد مرسي، يوم 3 يوليو، عقب احتجاجات شعبية ضخمة اجتاحت البلاد.
جماعة الإخوان المسلمين وبعض الجماعات الإسلامية الأصغر، التي ترى في الإطاحة بأول رئيس إسلامي منتخب مؤامرة من الجيش والعلمانيين ضد الإسلام، وتعتبر ذلك «حربًا على الشرعية».
المجتمع الدولي، الذي لا يمكنه بطبيعته تكرار أخطاء الماضي والوقوف ضد الديمقراطية بدعمه لجهات غير منتخبة، والتي يمثلها الجيش المصري في هذه الحالة.
وكما يحدث دائمًا في عالم السياسة، يأتي اللاعب الأقل تقديرًا: الشعب؛ غالبية المواطنين النشطين خرجوا إلى الشوارع يوم 30 يونيو بعد أن سحب 23 مليون توقيع الثقة من حكم مرسي والإخوان.
لن أخوض في تفصيل جدل «هل هو انقلاب عسكري أم لا؟». وفقًا لمفهوم «الديمقراطية الشكلية» السائد في دول مستقرة ومتقدمة سياسيًا، هو بالفعل انقلاب عسكري.
لكنني أعتقد أن هذا التصنيف يعكس رؤية جامدة جدًا للديمقراطية، ويتجاهل تمامًا مفاهيم الانتقال ما بعد الثورة، والعمليات الانتخابية السيئة التنظيم، وقوة الجماهير في ثورة مستمرة.
ومع ذلك، علينا أن نتعامل معه كـ«انقلاب عسكري»، فلا يمكن أن تتطور أي ديمقراطية تحت حكم عسكري، حتى تلك الأنظمة «الذكية نسبيًا» التي تحكم من خلف ستار مدني، كما هو الحال في مصر.
ومما يزيد من تعقيد المأزق التصنيفي، هو أننا قللنا كثيرًا من شأن قوة الجماهير الديناميكية. نعم، يجب أن نقاوم تصاعد نفوذ المؤسسة العسكرية، لكن في الوقت نفسه يجب أن نفهم أن ما حدث أقرب إلى «تقريب ثوري» منه إلى انقلاب عسكري بسيط؛ حيث قررت الجماهير أن تُوكِل ممثلًا جديدًا لقيادة التغيير.
كما يجب أن نضع تطورات الثورة في سياقها منذ 25 يناير 2011.
غياب القيادة الثورية الموثوقة جعل الجماهير تُفوِّض المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011 لإنهاء المهمة. وحين أخطأ الجيش، سمحت الجماهير للإخوان بخوض تجربة الحكم عبر ما كان يُفترض أن يكون مسارًا ديمقراطيًا. وعندما تآمرت الجماعة ضد مطالب الثورة، ظنّت الجماهير أن القيادة العسكرية الجديدة قد تكون البديل، فتحوّلت ببساطة نحو دعمها في محاولة لإسقاط مرسي والإخوان. (بريخت دي سميت – جامعة غينت)
ديناميات التعبئة الجماهيرية والانتفاضات الشعبية لا يمكن تفسيرها أو تحليلها ضمن السياقات التقليدية للديمقراطية الشكلية.
التوصيف السطحي لما حدث في مصر على أنه «انقلاب عسكري» – سواء من قبل الإسلاميين وأنصارهم في رابعة العدوية والنهضة، أو من قبل أطراف دولية – يحمل إهانة كبيرة لتوقيعات 23 مليون مواطن ضد حكم الإخوان؛ علمًا بأن مرسي بالكاد فاز في انتخابات 2012 بـ12 مليون صوت فقط.
أما عن مسألة «الشرعية» – وهو مصطلح وشعار استخدمه الإخوان لخوض معركتهم الأخيرة في سبيل الحفاظ على ما تبقّى من نفوذ سياسي – فهي تمثل تلاعبًا من قادة الجماعة وقصر نظر من اللاعبين الدوليين.
وبغضّ النظر عن الانتهاكات والدعوات للعنف قبل وبعد 30 يونيو، فإن «الشرعية» كمفهوم يمكن ببساطة سحبها من الإخوان في صراعهم على السلطة. سؤال واحد ضمن سياق الديمقراطية الشكلية كفيل بذلك: أليس انتخاب رئيس (مرسي) ووجود شخص آخر يحكم فعليًا (المرشد العام محمد بديع) يُعدّ انتهاكًا فاضحًا لأسس الديمقراطية؟
وسط هذا الخلط من المصطلحات، وتدخّل اللاعبين الدوليين، وتلاعب قادة الإخوان بأتباعهم البسطاء، وأجندة الجيش غير الواضحة، وصعود الفاشية الاجتماعية، أمام مصر طريق طويل قبل أن تبلغ الاستقرار، أو حتى تبدأ انتقالًا حقيقيًا بعد مبارك.
هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.