خرج حسني مبارك من سجن طرة وجرى وضعه قيد «الإقامة الجبرية» في مستشفى عسكري بالقاهرة. بعض المصريين بالغوا في تفسير هذا التطور وتشاءموا قائلين إن مبارك عاد إلى الحكم، وهي في الواقع مزحة يائسة أكثر من كونها حقيقة. ببساطة، من غير الممكن على المستويين السياسي والبدني التفكير في ذلك.

إذاً، إن لم يكن مبارك نفسه قد عاد، فهل عادت دولته؟ وهل كانت قد غابت أصلاً منذ سقوطه؟

قبل أسبوع صدر تقرير عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي منظمة غير حكومية ذات مصداقية، تناول الوضع القانوني لمبارك، وظروف الإفراج عنه، والدعاوى القضائية المرفوعة ضده وضد أفراد من أسرته وبعض رموز نظامه. التقرير سلط الضوء على قضايا بالغة الأهمية، لم تكن مفاجئة، لكن أصبح من الواضح الآن أنها موثقة قانونيًا أمام الرأي العام.

من بين النقاط التي أثارها التقرير، دور أجهزة التحقيق في إطالة أمد محاكمة مبارك، وبطء النيابة العامة في توجيه التهم إليه. النائب العام وقتها، عبد المجيد محمود، لم يأمر بفتح تحقيق في قضيته إلا في 10 أبريل 2011، أي بعد شهرين من تنحيه، وتحت ضغط شعبي هائل تمثل في مظاهرات ضخمة عُرفت بجمعة «المحاكمة والتطهير».

أشار التقرير أيضًا إلى دور النيابة العامة في إدارة العملية. إذ لم ترفع النيابة سوى أربع قضايا جنائية ضده على تهم سطحية إلى حد كبير، رغم أن مواطنين كثيرين قدموا شكاوى مدعومة بأدلة. وكانت التحقيقات معيبة بشدة، كما أن الأدلة التي قدمها الادعاء كانت واهية، مما أضعف أسس الإدانة، وأدى إلى إلغائها لاحقًا.

وفي نفس اللعبة، قدم جهاز المخابرات العامة للنيابة تسجيلات فيديو خالية من الأدلة، وقال إن تسجيلات أخرى تعود لأوائل فبراير «تم التسجيل فوقها». وبالمثل، أتلفت الشرطة أدلة جنائية مهمة في نفس القضية. كانت هذه بعض الوقائع المحبطة التي وردت في تقرير المبادرة. هذا التقرير، إلى جانب ملاحظات قوية أخرى، يشير بوضوح إلى أن مؤسسات مبارك القانونية لم تختفِ أبدًا.

ورغم كل ما ارتكبه الإخوان المسلمون من انتهاكات خلال عام حكمهم، فإن القمع العسكري الوحشي ضدهم قبل أسبوعين، حين تم فض اعتصامهم في ميدان رابعة العدوية، وحملة الاعتقالات الواسعة الحالية التي تستهدف قياداتهم من مختلف المستويات، تمثل عودة لاستبداد دولة مبارك، لكن بشكل أكثر عنفًا.

كذلك، فإن عودة عنف الشرطة بشكل كامل واحتجاز المدنيين عشوائيًا استنادًا إلى مظهرهم الخارجي هو عودة لدولة مبارك. إذا كنت رجلاً ملتحيًا أو امرأة منقبة تسير في الشارع هذه الأيام، فنتمنى لك الحظ. إذا وقعت في أيديهم، فهناك احتمال أن تنتهي في المشرحة، مع تقرير تشريح متضارب بشأن كيفية وفاتك. أزمة سجن أبو زعبل، حيث اختنق 38 مواطنًا حتى الموت في ظروف غامضة، وقعت قبل أسبوعين فقط.

التحقيق مع اثنتين من قيادات الثورة الشبابية، أسماء محفوظ وإسراء عبد الفتاح، بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية، هو عودة لدولة مبارك.

ورغم خلافي مع محمد البرادعي بشأن تردده وتناقض مواقفه السياسية، فإن رفع دعوى «عدم أمانة» ضده لأنه استقال من منصبه كنائب للرئيس احتجاجًا على عنف الجيش والشرطة يمثل عودة لدولة مبارك. الحملة الإعلامية الموجهة ضده، التي تبدو رخيصة ومنسقة، هي بكل وضوح جزء من حرب ضد الرجل.

أما الآن، فالنقاش الموجه بوضوح حول ضرورة أن تكون الانتخابات البرلمانية بنظام الفردي وليس القوائم الحزبية، والدفع الإعلامي بهذا الاتجاه، هو عودة لدولة مبارك. هذا التوجه سيُعيد أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المنحل إلى السلطة، دون حاجة لإحياء الحزب نفسه، وهي خطوة قد تكون فاضحة في معاداتها للثورة.

الدعاية الفاشية المنظمة لدعم الجيش والتشكيك في وطنية أي صوت معارض أو «متسامح» مع «الإرهاب»، والتي بدأتها وسائل الإعلام الرسمية ثم التقطتها وسائل الإعلام الخاصة بسهولة ورغبة، هي أيضًا عودة لدولة مبارك، للأسف.

نعود للسؤال: هل رحلت دولة مبارك حقًا؟

الإجابة: لا، لم ترحل أبدًا. كانت فقط في «وضع التوقف المؤقت» تنتظر اللحظة المناسبة والظروف المواتية للتدخل طمعًا في عودة سلسة. ويبدو أن هذا الأمل اعتمد إلى حد كبير على حالة السخط الشعبي الشديد خلال فترة حكم الإخوان. كانوا فقط ينتظرون بصبر تلك اللحظة التي تخرج فيها الأمور عن سيطرة الجماعة.

كل هذه التطورات المحبطة قد تدفع البعض للاعتقاد بأن الثورة قد فشلت، لكن هذه العودة الصارخة لدولة مبارك غير قابلة للاستمرار لأسباب عدة.

أحد هذه الأسباب هو التحول في وعي الجماهير، ومدى اختلافهم عن سلوكهم السلبي في عهد مبارك. تلك الأيام ولّت، والناس أصبحوا مختلفين تمامًا.

سبب آخر هو المؤسسة العسكرية نفسها. نعم، هي الكيان الأقوى في البلاد، لكنها عاجزة عن تلبية مطالب الجماهير أو إصلاح الاقتصاد المنهار. لن يظل الجيش في قلوب الناس كـ«الملائكة الحارسة» إلى الأبد، خاصة في ظل قائمة طويلة من الانتهاكات القانونية وحقوق الإنسان منذ سقوط مبارك.

كما أن النخب السياسية التي تدير المشهد بعد سقوط مرسي لا تملك مصلحة حقيقية في تلبية مطالب الناس. فشعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، أياً كان معناه بالنسبة للناس، يتعارض ببساطة مع أيديولوجية تلك النخب، حتى لو لم يكن من الضروري أن يهدد امتيازاتهم وسلطتهم التي حصلوا عليها منذ عهد مبارك.

الجماهير والعمال لن يظلوا مكتوفي الأيدي، وسينزلون مجددًا إلى الشوارع خلال بضعة أشهر، أو سنة على أقصى تقدير، لأن كل التغييرات الحالية غير قابلة للاستمرار. وحتى إذا كانت الجماهير مرهقة من المشاركة الفاعلة حاليًا، بسبب السنوات الثلاث الماضية المربكة، فإن آلاف العائلات التي فقدت أبناءها بالتعذيب أو القتل، خلال عهد مبارك وبعده، لن تتنازل، حتى لو استغرق الأمر سنوات وسنوات. علينا أن نتعلم هذا الدرس من تجارب مماثلة حول العالم. من فقدوا أحباءهم لا ينسون، حتى لو نسي الآخرون.

الثورة لم تمت ولم تفشل. المؤسف فقط أن الجميع، بمن فيهم من نزلوا إلى الشوارع في 25 يناير 2011، مستعدون دون داعٍ لسلوك طريق طويل للوصول إلى أهدافهم.

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.