«عيش، حرية، عدالة اجتماعية!» كان ذلك الشعار، وتلك العبارة، تفسيرًا بسيطًا ومباشرًا لدوافع توجه المصريين إلى ميدان التحرير يوم 25 يناير 2011، ولطبيعة تطلعاتهم. لكن، هل بلغوا ما ضحوا من أجله؟ أم أن الثورة قد تحطمت؟

هذان سؤالان يصعب على المراقبين تقديم إجابة حاسمة وسريعة عليهما. ولتفكيك تعقيدات الإخفاق في تحقيق الأهداف الثورية المذكورة آنفًا، لا بد أولًا من تحليل النموذج الاقتصادي المنحاز للأثرياء في عهد مبارك، مع التركيز على التحول الجذري في ظل إرث ابنه جمال الاقتصادي، مقارنة بما تحقق من إنجازات نسبية في ظل دولة ناصر السلطوية خلال الخمسينيات والستينيات.

لقد كان نموذج مبارك وجمال، ولا يزال، نموذجًا جعل الحياة في مصر غير محتملة في أعين الأغلبية، ودفع نحو انفجار شعبي لم يكن من الممكن تفاديه. لكن، كيف وصلت البلاد إلى هذه الحالة من الغضب؟

هذه بداية سلسلة من المقالات التي تحاول وضع ممارسات مبارك الاقتصادية في سياق اجتماعي واقتصادي، وإضافة تفاصيل لصورة الإحباط الشعبي والشعور بالظلم الاجتماعي، وهما إحساسان لا يزالان قائمين رغم نشوة الاحتفال بـ«عودة» الجيش باعتباره المنقذ الوطني.

علينا أن نعترف بأن الظلم الاقتصادي لا يزال قائمًا، دون أن تُتخذ أي خطوات جادة نحو تغيير اقتصادي منحاز للفقراء. لقد كانت حياة المواطن المصري العادي واحدة في ظل حكم العسكر، أو الإخوان المسلمين، وما تزال كذلك مع عودة الحكم العسكري مجددًا. والسبب بسيط: أن العقلية الاقتصادية لمبارك لا تزال تمثل المعرفة الوحيدة التي تمتلكها النخبة السياسية. إلا أن الفارق بين الأمس واليوم هو أن الشعب بات يتذوق طعم القوة، حين يخرج إلى الشارع معبرًا عن غضبه، متى استدعت الحاجة.

 في عام 1982، وبعد بضعة أشهر من تولّي مبارك الرئاسة عقب اغتيال السادات، لم يكن أحد ليتخيّل أن النموذج الاشتراكي القومي العربي الخاص الذي أسّسه جمال عبد الناصر في خمسينيات القرن الماضي سيصل إلى مثل هذه النهاية المأساوية. كان هذا النموذج قد بدأ بالفعل في التحول إلى نموذج نيوليبرالي في عهد سياسة الانفتاح التي أطلقها السادات في السبعينيات، إلا أن الخطوات التي اتخذها يمكن اعتبارها متواضعة مقارنة بتلك التي أقدم عليها مبارك، لا سيما في تسعينيات القرن العشرين.

يتناول جلال أمين في كتابه «ماذا حدث للثورة المصرية؟» هذه القضية، متأملًا في حياته الطويلة التي شهدت تحولات اجتماعية واقتصادية ممتدة من مصر عبد الناصر إلى مصر السادات ومبارك، حيث كتب: «بعد هزيمة 1967 بعدة سنوات، دخلت مصر مرحلة بائسة من تاريخها، لم تكن تُدار فيها لمصلحة المصريين (ولا العرب)، بل كانت تُدار لمصلحة تحالف من المصالح الأمريكية والإسرائيلية من جهة، ولمصلحة مجموعة محدودة جدًا من رجال الأعمال المصريين والساسة المرتبطين بهم من جهة أخرى. وقد رأت هذه المجموعة أن من مصلحتها خدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية. واستمرت هذه المرحلة أكثر من ثلث قرن، دون أن يطرأ أي تغيير في هذا الصدد عندما خلف الرئيس مبارك الرئيس السادات».

لم يكن يتصور أحد في بداية عهد مبارك أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء ستعود إلى سابق عهدها بل وتتجاوز ما كانت عليه في عهد الملكية التي أطاح بها انقلاب يوليو 1952، حين كان الأرستقراطيون ونخبة المال يسيطرون على الفقراء في نموذج اقتصادي شبه استعماري ترعاه بريطانيا. فقد جسد مبارك مستوى غير مسبوق من الفساد المالي والسياسي، ترسخ في بنية الدولة ذاتها، ولا يزال حاضرًا حتى يومنا هذا.

كان ذلك قرارًا متعمدًا، سواء من جانب مبارك نفسه أو بإملاء من مؤسسات بريتون وودز – صندوق النقد الدولي والبنك الدولي – لتفكيك الدولة الاشتراكية التي أسسها ناصر (1954 – 1970). وهي الدولة التي كانت تهدف إلى تمثيل الشعب في مسار التنمية الصناعية باعتبارها ضرورة اجتماعية، وبناء نموذج صلب للنمو والتحديث يراعي الخصوصية المحلية. وحتى إن لم يكن المشروع القومي ناجحًا بدرجة كبيرة، وأدخل ثقافة الحكم العسكري والشرطي، فلا أحد يمكنه إنكار أنه كان مشروعًا منحازًا للفقراء، بينما مثل مبارك نقيضه التام، باستثناء بعض التشابهات الديكتاتورية.

وبالنظر إلى المقولة الصحيحة رغم ابتذالها: «الحياة ليست أبيض وأسود فقط»، فإن دولة ناصر، رغم أنني لست من مناصريها، قد حققت بعض الإنجازات التي أنصفت الفقراء، لا ينبغي لمناهضي ناصر أن ينكروها أو يقللوا من شأنها.

فقد امتد برنامج التعليم العام المجاني ليشمل جميع المراحل، بما فيها الجامعات. وأطلقت الحكومة برامج للصحة العامة، التزمت خلالها بتوفير العلاج المجاني لمن لا يستطيع تحمل تكلفة العلاج الخاص. كما دعمت نظامًا لتوفير السلع الغذائية الأساسية بأسعار ثابتة، وخصوصًا الخبز. كذلك التزمت الدولة بتعيين جميع خريجي المعاهد والجامعات. وتم منح العمال حدًا أدنى للأجور وقوانين عمل سخية لضمان حقوقهم الاقتصادية. وساهمت هذه السياسات في تقليص مظاهر التفاوت في الدخل. فقد انخفضت نسبة الأسر الفقيرة في الريف من 35% عام 1958 إلى 27% عام 1964، وفي المدن من 30% إلى 27.8% في نفس الفترة. كما ارتفعت نسبة الأجور من الدخل القومي من 38% عام 1950 إلى 50% عام 1967. (فرح 2009)

وقد ورث كل من السادات ومبارك مجموعة من السمات الإيجابية والسلبية لدولة ناصر، غير أن كليهما انخرط في عملية منهجية لتفكيك بعضها بشكل انتقائي، والإبقاء على أخرى، سعيًا للحفاظ على السلطة وإرضاء الحلفاء الجدد.

…يتبع

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.