امتلك الرئيس المخلوع حسني مبارك نموذجًا اقتصاديًا خاصًا به يمكن وصفه بأنه مزيج غير متماسك يجمع بين مساوئ الرأسمالية والاشتراكية معًا في كيان واحد. ويمكننا ببساطة أن نطلق عليه «اقتصاديات مبارك». نموذج ليبرالي جديد منحاز للأثرياء، يعمل داخل دولة مترهلة، غير فعّالة، شديدة المركزية. وفي ظل هذا النموذج، ازداد الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة تهميشًا وإقصاءً عن المشهد السياسي بالكامل. وفي النهاية، تحقق الهدف فعليًا: ازداد الأغنياء غنى، وشعر النظام أنه لا يُقهر سياسيًا.

لقد تبنى مبارك منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي سياسة التحول الانتقائي نحو اقتصاد السوق الحر، بحيث لا يتم تطبيق إلا ما يخدم مصالح النخبة الحاكمة الفاسدة. أما القيم الأخرى التي عادة ما تسوقها الاقتصادات الليبرالية الجديدة، مثل حرية التعبير وحقوق الإنسان، فقد تم استبعادها عمدًا. وقد كان غياب المساواة أمام القانون، وغياب حقوق الفقراء والعاطلين، هو السمة العامة لـ«اقتصاديات مبارك». معظم السياسات الاقتصادية المطبقة حينها تم استيرادها من، أو فُرضت من قبل، صندوق النقد الدولي والدول الدائنة لمصر.

ويصف أحمد السيد النجار في كتابه «الانهيار الاقتصادي في عهد مبارك: وقائع الفساد والبطالة وارتفاع الأسعار والركود والمديونية»، حقبة مبارك بقوله: «بوجه عام، يتسم عهد مبارك بضعف معدلات النمو الحقيقي مقارنة بالفترات السابقة. وقد اعتمد النمو المحقق خلال ثلاثة عقود حكمه على الاقتراض المحلي والدولي بدرجة كبيرة. ولم تتمكن البلاد من التخلص من جزء كبير من ديونها الخارجية إلا عبر الموافقة على، ودعم، الولايات المتحدة والسعودية في حربهما ضد العراق عام 1991، واتباع نفس الموقف أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.» (النجار، 2010)

منذ أوائل التسعينيات وحتى منتصف العقد الأول من الألفية، تقلص الدور الاقتصادي للدولة إلى استثمارات هامشية في مشروعات البنية التحتية، وخصخصة عدائية لأصول الدولة. وقد انسحب النظام تمامًا من الاستثمار المباشر في قطاعي الصناعة والزراعة. صحيح أن هذين القطاعين لم يكونا في أفضل حالاتهما، إلا أن بعض المشروعات الناجحة والمربحة تم التخلص منها أيضًا بقرار حكومي.

ويمثل عام 2004 نقطة تحول جديدة زادت الأوضاع سوءًا بالنسبة للفقراء، حيث تم الدفع بجمال، نجل الرئيس الأكبر، إلى الساحة السياسية في مصر، في إطار ترتيبات سخيفة لوراثة العرش الرئاسي على الطريقة الملكية.

وفي ظل التحولات النيوليبرالية الأكثر قسوة بقيادة جمال مبارك بالتعاون مع رئيس الوزراء أحمد نظيف (2004 – 2011)، تم تمرير مجموعة من التشريعات الجديدة. في تلك الفترة، صعدت نخبة رجال الأعمال من موقع دعم نظام مبارك مقابل الامتيازات، إلى أن أصبحت هي النظام نفسه.

وقد جاءت سلسلة القوانين الاقتصادية التي صدرت عام 2004 لتؤكد بشكل واضح تغير طبيعة نظام مبارك، الذي بات في خدمة الطبقة الرأسمالية العليا، المحلية منها والأجنبية، بكل وضوح، وعلى حساب الطبقة الوسطى والصغرى. نظرة سريعة على قوانين الضرائب وحماية المنافسة تؤكد وحدها إلى أين كان يتجه هذا النظام الفاسد.

ففي القانون الضريبي الجديد، تم إعفاء الاستثمارات الأجنبية من دفع الضرائب لمصر بهدف جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. لكن تبيّن لاحقًا أن معظم هذه الاستثمارات كانت تدفع الضرائب في بلدانها الأصلية على أية حال، نظرًا لإعفائها داخل مصر. الأمر الذي خلق نوعًا من عدم المسؤولية لدى هذه الاستثمارات تجاه المجتمع المضيف – أي المجتمع المصري.

وقد حصلت الاستثمارات الخاصة المحلية الكبرى على إعفاءات ضريبية مماثلة، مما أدى إلى نشوء نفس السلوك غير المسؤول تجاه المجتمع، وبيئة اقتصادية انتهازية ضارة ما تزال قائمة حتى الآن.

وفي المقابل، تم إعادة هيكلة الضرائب المفروضة على قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، في خطوة بدت وكأنها تنظيم للسوق، لكنها في الحقيقة كانت بمثابة سحق تام لهذه المشروعات لصالح الشركات الكبرى.

ويشير النجار إلى أن أسوأ ما في هذا القانون الضريبي هو التعميم غير العادل في تصنيف الفئات الخاضعة للضريبة، بما يتعارض كليًا مع أبسط مفاهيم العدالة الاجتماعية. حيث تم توحيد الضرائب على جميع الأنشطة التجارية والصناعية التي تحقق أرباحًا تبلغ 40 ألف جنيه سنويًا فأكثر. وهو ما جعل أصحاب المشروعات الصغيرة، الذين بالكاد يحققون أرباحًا سنوية، يدفعون نفس النسبة التي تدفعها الشركات الكبرى – سواء كانت وطنية أو أجنبية – التي تصل أرباحها إلى عشرات أو مئات الملايين سنويًا. وهذا يعد نمطًا جديدًا من السياسات الاقتصادية المجحفة، التي لا يتم تطبيقها بهذه الفجاجة حتى في الاقتصادات الرأسمالية الكبرى.

كما صدر قانون آخر في عام 2004 تحت عنوان «حماية المنافسة». وقد طالما حاربت الاحتكارات القائمة إصدار هذا القانون، حفاظًا على امتيازاتها الاقتصادية وسيطرتها على السوق، وهي التي ترسخت منذ أواخر السبعينيات. وقد نجحت هذه الاحتكارات، بمباركة نجل مبارك، في تمرير القانون في شكله الأكثر سطحية، دون أن يحدث أي تغيير حقيقي في الأسواق المصرية شديدة الاحتكار.

ومن الأمثلة العديدة على الاحتكار، قطاع الأسمنت، حيث قفز سعر الطن من 110 جنيهات عام 2002 إلى 280 جنيهًا عام 2004. علمًا بأن تكلفة إنتاج الطن الواحد حينها لم تكن تتجاوز 100 جنيه، باستخدام مدخلات إنتاج محلية بالكامل. وقد جاء هذا الارتفاع السريع نتيجة مباشرة لخصخصة معظم شركات الأسمنت العامة، التي بيعت في صفقات ضخمة للمستثمرين الأجانب، في ظل أجواء مشبوهة من الفساد. وغالبًا ما كانت أسعار البيع أقل بكثير من القيمة الحقيقية لتلك الأصول.

وقد كان لمرحلة جمال الاقتصادية، بكل ما شملته من قوانين جديدة وصفقات خصخصة فاسدة وعدائية، تأثيرها الواضح على موقف الناس من الدولة، حيث دفعت الجماهير إلى تجاوز حالة السلبية التي كانت تهيمن عليهم.

… يتبع

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.