اعتادت ماكينة الدعاية الخاصة بمبارك نشر معلومات زائفة مليئة بالتفاؤل عن «إنجازاته الاقتصادية» بشكل شبه يومي. كما اعتادت عدة حكومات عيّنها الرئيس المخلوع على تزوير التقارير الخاصة بالأداء الاقتصادي للدولة، أو على الأقل تعديل عرض البيانات أو إخفائها بما يخدم تحسين صورة الحكومة محليًا ودوليًا. ومع ذلك، فإن أى مقارنة بسيطة بين الاقتصاد المصري وبعض الاقتصادات النامية التي كانت مصر تتفوق عليها قبل عقود، تبرز بوضوح مدى تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد.

وخلال ثلاثين عامًا من حكم مبارك، بلغ متوسط معدل التضخم نحو 12%، وهو الأعلى في تاريخ مصر المعاصر. هذا المستوى المرتفع من التضخم على مدى تلك الفترة الطويلة أدى إلى اختلال شديد في توزيع الدخول لصالح أصحاب العقارات ورؤوس الأموال، على حساب أصحاب الدخول الثابتة أو شبه الثابتة مثل الموظفين، وأصحاب المعاشات، والعمالة غير المنتظمة. فقد تراجعت الدخول الحقيقية لهؤلاء بصورة كبيرة من حيث القوة الشرائية، في حين أن دخولهم الاسمية كانت ترتفع ببطء شديد متأخرة عن معدلات التضخم.

شهد الجنيه المصري تدهورًا بدوره، في استمرار لسياسة الانفتاح التي أطلقها الرئيس الأسبق أنور السادات، والتي أصبحت أكثر تشددًا بشكل ملحوظ في عهد مبارك. وقد كان هذا تطورًا ماليًا يعكس خللًا واضحًا في الاقتصاد المصري، خاصة في ما يتعلق بالمعاملات الدولية واستراتيجيات النقد الأجنبي.

ففي بداية عهد مبارك، كانت قيمة الجنيه المصري تساوي نحو 1.50 دولار أمريكي. أما في نهاية العقد الثالث من حكمه، فقد انخفضت إلى نحو 0.17 دولار للجنيه الواحد، ما يعني أن العملة المحلية فقدت أكثر من 88% من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي خلال عهد مبارك وحده. وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع المستوردة، من بينها القمح ومشتقاته، والسكر، وزيت الطهي، وسلع أساسية أخرى تمس حياة المواطن اليومية. وقد باتت هذه الحقيقة أكثر قسوة على شرائح واسعة من المجتمع، خاصة من أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا.

أما البطالة خلال نفس الفترة، فقد ظلت كما هي وتركزت بشكل خاص بين الفئات العمرية الشابة، وخصوصًا المتعلمة منها، بينما كان من الأسهل على غير المتعلمين الحصول على وظائف منخفضة المهارات – وهو ما يمثل خسارة اقتصادية غير مباشرة بالنظر إلى ما أُنفق من جهد ومال على هؤلاء الشباب لتعليمهم وتأهيلهم للمشاركة في تنمية البلاد. وليس من النادر في مصر أن تستقل سيارة أجرة فيكتشف الراكب أن السائق خريج جامعة. ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن 88% من العاطلين عن العمل ينتمون إلى الفئة العمرية بين 15 و30 عامًا، ويمثل المتعلمون منهم نسبة 93%.

ويمثل معدل البطالة المرتفع في مصر، والذي بلغ في تلك الفترة نحو 12%، دليلًا واضحًا على فشل الاستثمارات الخاصة التي حلت محل القطاع العام في استيعاب العمالة، وعجز النموذج الاقتصادي الفاسد الذي أدخله مبارك ونجله عن مواجهة التحديات الناتجة عن النمو السكاني الكبير وتقلص حجم القطاع العام.

وفي بلد كـمصر، يكاد ينعدم فيه نظام الرعاية الاجتماعية في ظل غياب تام لإعانات البطالة، فإن النتيجة الطبيعية لهذه الأزمة تمثلت في سقوط فئة الشباب الأضعف في براثن الفقر المدقع، والاعتماد الكامل على العائلة، وهو ما أدى بدوره إلى العديد من الأزمات الاجتماعية.

وكان الفساد في عهد مبارك سمة بارزة أخرى من سمات نموذجه الاقتصادي. وقد أصبح الفساد واسع الانتشار، وتمت ممارسته بشكل طبيعي ومألوف. وتجلت أغلب قضايا الفساد في مصر في القطاع المصرفي والمؤسسات المالية بوجه عام. وكانت الاختلاسات تحدث على نطاق واسع، ولم تعد تثير دهشة أحد. وشملت ممارسات الفساد تقديم قروض بدون ضمانات كافية لأشخاص تربطهم صلات سياسية بالنظام، أو علاقات عائلية برؤساء البنوك.

ويشير تقرير صادر عن البنك المركزي المصري إلى أن أكثر من 14% من إجمالي القروض التي تم منحها في القطاع المصرفي عام 2005 فقط لم يتم تحصيلها، أي ما يعادل نحو 49 مليار جنيه. وفي كثير من الحالات، كان المقترضون يحصلون على القروض ويغادرون البلاد، تاركين البنوك بلا أصول كافية لمصادرتها. (النجار 2010)

وشملت أشكال الفساد الأخرى التهرب الضريبي والجمركي، وكل صور الرشوة، والغش التجاري في القطاع الخاص بالتواطؤ مع مسؤولين حكوميين، بالإضافة إلى تسهيل عمليات استيلاء ضخمة على أصول الدولة وأراضيها.

في الوقت نفسه، مثّلت عملية الخصخصة بحد ذاتها ممارسة فساد غير مسبوقة وعلى نطاق واسع، إذ تعمّدت حكومات مصرية متعاقبة منذ انفتاح السبعينيات ترك شركات القطاع العام تغرق في سوء الإدارة والقيادات الفاسدة. وهي سياسة حققت أهدافها، إذ تُرك القطاع عرضة لخسائر فادحة، مما سهّل على أي حكومة لاحقة بيع أصوله للقطاع الخاص، سواء المحلي أو الأجنبي. وكان ذلك كله جزءًا من التحوّل نحو اقتصاد السوق الحر، بدلًا من العمل على إصلاح المشكلات الجوهرية في الاقتصاد. وقد تم تنفيذ ذلك بنجاح تحت توجيهات وإشراف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول الدائنين.

لم يكن من الصعب على الفساد أن يترسخ في مصر. فقد أدى غياب الشفافية على المستويين الاقتصادي والسياسي إلى تسهيل سيطرة النخبة الاقتصادية على مفاصل الاقتصاد، وتجاهل حقوق الفقراء الاقتصادية. وقد تمثل ذلك في منح مسؤولي الدولة وكبار موظفي القطاع العام سلطات مطلقة في إصدار التراخيص والمستندات، بما يسمح باستغلال الأصول العامة والتلاعب بها. وهذه السمات مجتمعة – لنظام فاسد اقتصاديًا وسياسيًا – ازدهرت بسهولة في ظل تزامن تاريخي بين التحول إلى اقتصاد السوق الحر وعمليات البيع المكثفة لثروات البلاد.

لم تكن ثورة 25 يناير رد فعل مفاجئًا على حالة الإحباط والظلم الناتجة عن دولة مبارك غير العادلة، بل كانت هناك مؤشرات على أن أمرًا كبيرًا سيحدث، وإن لم يكن واضحًا لأحد ما هو هذا الحدث أو إلى أي مدى يمكن أن تصل ردود الفعل على القمع. ومن أوائل المبادرات التي اتخذت موقفًا ضد هذا النظام السلطوي كانت تأسيس حركة كفاية. فقد اجتمع 300 مثقف وشخصية عامة من خلفيات متباينة، ردًا على التلاعبات الوزارية والقانونية التي قادها جمال مبارك ورئيس الوزراء المعيّن حديثًا أحمد نظيف عام 2004. وأصدروا وثيقة تأسيسية للحركة تُعلن معارضتها للنظام وتطالب بتغيير حقيقي في مصر يُطهّر النظام من القمع الاقتصادي والسياسي. وقد تعرضت الحركة نتيجة لذلك إلى حملة اعتقالات في صفوف أعضائها، فضلًا عن عنف منظم قاده وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي، وهو ما ساعد في انتشار الحركة وزيادة شعبيتها في 22 محافظة من أصل 26.

وشهد عام 2008 ميلاد حركة 6 أبريل، كخطوة أخرى في مسار المعارضة والنشاط الذي سبق الثورة. ففي ذلك العام، استجاب عدد كبير من الشباب المصري – من غير المنتمين سياسيًا – بشكل إيجابي لدعوة إضراب عمال المحلة، وشاركوا في الترويج لها في جميع أنحاء البلاد تضامنًا مع عمال الغزل والنسيج المضطهدين في تلك المدينة الصناعية العريقة بدلتا مصر.

ومع تزايد القمع من النظام المترنح، وتفاقم معاناة الفقر، ازداد الغضب الشعبي يومًا بعد يوم، كرد فعل على الظلم والعنف المتصاعدين. كما حمل عام 2010 مؤشرًا جديدًا على أن هناك شيئًا كبيرًا في الطريق، دون أن يعرف أحد ما هو. ففي ذلك العام، ونتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية، أصبح الخبز المدعوم فجأة سلعة نادرة في بلد يعتبر أغلب سكانه الخبز المادة الغذائية الأهم. وقعت اشتباكات أمام المخابز العامة على الأرغفة القليلة المتاحة، وسُجلت حالات وفاة. واندلعت أعمال شغب للمطالبة بالخبز، واضطر الجيش للتدخل وتوفير الخبز للناس، لإنقاذ النظام من تصعيد خطير. وفوق كل ذلك، قررت الحكومة بشكل فج في العام ذاته تزوير الانتخابات البرلمانية لمنع المعارضة من التمثيل، وتهيئة الساحة لجمال مبارك ليكون الرئيس القادم لمصر. وقد كانت خطوة جعلت المعارضة السياسية والنشطاء والمثقفين والمواطنين العاديين يوقنون أن هذا النظام لا أمل في إصلاحه، وأن لا خيار سوى إسقاطه. ولم يبقَ سوى السؤال: متى؟ وكيف؟

يتبع…

هذا المقال نشر أولاً بجريدة ديلي نيوز إيجيبت وترجم لاحقاً للعربية بالذكاء الاصطناعي.